أُورُوبَّا تَبْحَثُ عَنِ الْعُقُولِ لَا الْعَضَلَاتِ.. كَيْفَ لَخَّصَ طِفْلٌ مَغْرِبِيٌّ مَأْسَاةَ “الْحَرِيكِ” وَوَهْمَ السُّوشِيَال مِيدْيَا؟
عبدالقادر كتـــرة
في زمنٍ تزدحم فيه منصات التواصل الاجتماعي بصورٍ وردية ومقاطع فيديو تروج لـ “النجاح السريع” والسهل وراء البحار، يخرج إلينا صوتٌ يكسر هذه النمطية، ليس لخبير اقتصادي أو باحث اجتماعي، بل لطفل مغربي لم يتجاوز عمره سنوات قليلة، لكن وعيه تجاوز الكثيرين.
في مقطع فيديو قصير انتشر مؤخراً، قدم هذا الطفل “درساً قاسياً” وواقعياً لكل شاب يفكر في ركوب أمواج الموت نحو أوروبا دون زادٍ من علم أو كفاءة. كلماته العفوية لم تكن مجرد رأي، بل تشخيصاً دقيقاً لظاهرة “الحريك” (الهجرة غير النظامية) التي لا تزال تحصد أرواح الأبرياء وتستنزف طاقات المجتمع.
يبدأ الطفل رسالته بوضع إصبعه على الجرح النازف: مشهد الجثث التي يلفظها البحر. “عيالات كبار، أطفال رضع، وشباب في مقتبل العمر”… إنها الصدمة العاطفية التي يحاول الكثير من الحالمين بالهجرة تجاهلها. هذا التذكير الصادم هو دعوة للتوقف اللحظي وسؤال النفس: هل يستحق حلم غير مضمون أن نغامر بأرواحنا وأرواح أحبتنا لننتهي كأرقام في نشرات الأخبار؟
صدمة الواقع الاقتصادي.. الخبز بـ 11 درهماً
بذكاء فطري، ينتقل الطفل من المأساة الإنسانية إلى الحسابات الاقتصادية البسيطة والعميقة في آنٍ واحد.
يعتقد الكثير من الشباب أن الوصول إلى الضفة الأخرى يعني الثراء التلقائي، غافلين عن حقيقة التضخم وغلاء المعيشة في القارة العجوز. بمقارنة بسيطة لسعر “رغيف الخبز” بين درهم في المغرب و11 درهماً في أوروبا، ينسف هذا الطفل وهم “الحياة السهلة”، مؤكداً أن الهروب من واقع اقتصادي صعب محلياً قد يوقع الشاب في فخ استعباد اقتصادي وتشرد أقسى في الغربة.
مسؤولية الإعلام: بين صناعة الوهم وتغييب الواقع
كيف يسقط الشباب في هذا الفخ متجاهلين هذه الحقائق الاقتصادية؟ هنا يضعنا مقطع الفيديو أمام مرآة كاشفة لواقع إعلامي يعاني من فجوة عميقة. فالخوارزميات وتطبيقات مثل “تيك توك” و”إنستغرام” لا تعرض سوى الجانب المشرق والمزيف غالباً: السيارات الفارهة ورزم اليورو. هذا “الإعلام البديل” يتعمد إخفاء الكواليس المظلمة كالتشرد والاستغلال البشع في الحقول الأوروبية.
وفي المقابل، نجد أن الإعلام التقليدي غالباً ما يتناول ظاهرة “الحريك” بلغة جافة تعتمد على الإحصائيات الجنائية أو خطابات فوقية لم تعد تقنع الشباب.
لقد أثبت هذا الطفل أن لغة الشارع العفوية والمدعمة بالمنطق الاقتصادي البسيط هي أسرع طريق للوصول إلى عقول الجيل الجديد، وهو ما يتطلب من المنظومة الإعلامية تبني استراتيجيات تعتمد على المحتوى الرقمي الواقعي لتفنيد الأوهام.
عصر العضلات ولى.. أوروبا تبحث عن “العقول”
لعل النقطة الأبرز والأكثر عمقاً في حديث هذا الطفل، هي إدراكه للتحول الجذري في سياسات الهجرة الأوروبية. قديماً، كانت أوروبا في مرحلة البناء تبحث عن “العضلات” واليد العاملة البسيطة (أجيال الأجداد)، لكن أوروبا اليوم تغيرت.
إنها تنهج “الهجرة الانتقائية”؛ تفتح أبوابها للمهندسين، والأطباء، والتقنيين ذوي الكفاءة، وتغلقها في وجه من لا يملك في جعبته سوى اليأس وتواضع التحصيل الدراسي (من غادر المدرسة في السابعة أو الثامنة إعدادي كما ذكر الطفل). السفر للعمل ليس عيباً، لكن العيب هو الذهاب إلى معركة بلا سلاح، وسلاح اليوم هو “الديبلوم والعقل”.
ثقافة الانتظار.. من يتحمل المسؤولية؟
لم يكتفِ المتحدث الصغير بانتقاد وهم الهجرة، بل وجه سهام نقده لـ “ثقافة الانتظار”. جلوس الشاب طوال اليوم أمام باب المنزل، منتظراً أن تأتيه الدولة بـ “فرصة عمل” على طبق من ذهب، هو انتحار بطيء. صحيح أن توفير بيئة العمل والتعليم هو من صميم واجبات الدولة، لكن “الفرصة تحتاج إلى مجهود لتأتي”.
إنها دعوة صريحة للشباب لتحمل مسؤولياتهم الفردية، وتطوير ذواتهم، وتعلم حرف ومهارات جديدة تفرضهم في سوق العمل، سواء داخل الوطن أو خارجه.
خلاصة، إن رسالة هذا الطفل ليست مجرد مقطع عابر للاستهلاك الرقمي، بل هي صرخة وعي في وجه جيل كامل، وفي وجه مؤسسات التنشئة الاجتماعية والإعلام. لقد أثبت لنا أن الخطاب الواقعي الصادق، مهما كان قاسياً، هو ما نحتاجه اليوم لإنقاذ شبابنا من وهم السوشيال ميديا وقوارب الموت. النجاح لا يرتبط بجغرافيا معينة، بل يرتبط بما يحمله الإنسان في عقله ويديه من كفاءة وإرادة حقيقية للتغيير.
فيديو :

