«يَهُودُ الْجَزَائِرِ الْجُدُدُ».. مَنْحُ الْجِنْسِيَّةِ الْجَزَائِرِيَّةِ لِـ 700 يَهُودِيٍّ بِقَرَارٍ رِئَاسِيٍّ، وَالسَّمَاحُ لَهُمْ بِالْعَوْدَةِ إِلَى الْجَزَائِرِ وَاسْتِرْجَاعِ مُمْتَلَكَاتِهِمْ فِي لَائِحَةٍ أَوَّلِيَّةٍ، يَفْضَحُ نِفَاقَ النِّظَامِ الْجَزَائِرِيِّ

«يَهُودُ الْجَزَائِرِ الْجُدُدُ».. مَنْحُ الْجِنْسِيَّةِ الْجَزَائِرِيَّةِ لِـ 700 يَهُودِيٍّ بِقَرَارٍ رِئَاسِيٍّ، وَالسَّمَاحُ لَهُمْ بِالْعَوْدَةِ إِلَى الْجَزَائِرِ وَاسْتِرْجَاعِ مُمْتَلَكَاتِهِمْ فِي لَائِحَةٍ أَوَّلِيَّةٍ، يَفْضَحُ نِفَاقَ النِّظَامِ الْجَزَائِرِيِّ

عبدالقادر كتـــرة

“نشرت الجريدة الرسمية الجزائرية قرار السلطات الجزائرية بمنح المسنة اليهودية من أصل أمريكي “إلين كلاين” الجنسية الجزائرية بقرار “رئاسي استثنائي“، و تسريب لائحة أولية لأزيد من 700 يهودي من أصول فرنسية وروسية ألمانية ورومانية وجنوب إفريقية وإسرائيلية…، من المنتظر حصولهم على الجنسية الجزائرية للسماح لهم بالعودة إلى الجزائر و إسترداد ممتلكات آبائهم و أجدادهم..” حسب ما جاء في مقال لموقع بوليساري موال للنظام العسكري الجزائري.

في وقت تواصل فيه الآلة الإعلامية والسياسية الرسمية في الجزائر العزف على وتر “الشرعية الثورية” وتخوين دول الجوار بحجة التطبيع، طفت على السطح تسريبات مثيرة للجدل حول قرار “رئاسي استثنائي” يمنح الجنسية الجزائرية لمسنة يهودية من أصل أمريكي تدعى “إلين كلاين”.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل ترافقت هذه الأنباء مع تسريب لائحة أولية تضم أكثر من 700 شخصية يهودية من أصول فرنسية وروسية وإسرائيلية وغيرها، يُنتظر حصولهم على الجنسية بهدف العودة واسترداد ممتلكات آبائهم وأجدادهم التي تندرج تحت ما عُرف تاريخياً بـ “الأملاك الشاغرة”.

هذه المعطيات، لا تمثل مجرد إجراء إداري عابر، بل تضعنا أمام تحول جوهري يطرح تساؤلات عميقة حول التناقض الصارخ بين الخطاب الرسمي للنظام والممارسة الفعلية في كواليس السياسة، وتفرز تداعيات قد تهز أركان الثقة في الداخل الجزائري.

سقوط الأقنعة وشعارات “الممانعة”

بنى النظام الجزائري، لعقود طويلة، عقيدته السياسية على شعار الرئيس المقبور هواري بومدين: “نحن مع فلسطين ظالمة أو مظلومة”. وقد استُخدم هذا الشعار كأداة قوية لتعبئة الجبهة الداخلية، وإضفاء شرعية ثورية على السلطة، وتوجيه النقد اللاذع لكل من يتبنى مقاربة سياسية مختلفة في المنطقة.

لكن التحرك السري لمنح الجنسيات وفتح ملف استرداد الأملاك لشخصيات قد تحمل جنسيات إسرائيلية أو ترتبط بدوائر داعمة لها، يكشف عن براغماتية سياسية خفية.

هذا التوجه يبدو وكأنه محاولة لتقديم “عربون حسن نية” للوبيات دولية مؤثرة في الغرب، ولكنه في الوقت نفسه يسقط ورقة التوت الإيديولوجية التي طالما تغنى بها النظام، ليثبت أن التلويح بالقضية الفلسطينية غالباً ما يكون موجهاً للاستهلاك الإعلامي والمحلي فقط.

ازدواجية المعايير.. وعقدة الجوار المغربي

تتجلى المفارقة الكبرى في هذا الملف عند مقارنة السلوك الجزائري بوضعية الجار المغربي.

فالمغرب لم يخفِ يوماً تنوعه الثقافي، بل نص دستوره صراحة على الرافد العبري كجزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية. العلاقات المغربية مع مواطنيه من الطائفة اليهودية، أو حتى علاقاته الدبلوماسية مع إسرائيل، تتم في وضوح وتحت ضوء الشمس، انطلاقاً من مصالح الدولة العليا وسيادتها.

في المقابل، سخّر نظام الجزائر الشيطان المارق دبلوماسيته وإعلامه لشيطنة المغرب واتهامه بشتى النعوت، ليتفاجأ الرأي العام بأن النظام الذي يخوّن جاره علناً، يشرع في السر في خلق طائفة من “يهود الجزائر” الجدد، مانحاً إياهم امتيازات استثنائية.

هذه الازدواجية تضع الدبلوماسية الجزائرية في موقف بالغ الإحراج ويفقدها مصداقيتها الإقليمية.

صندوق “باندورا” الاقتصادي والقانوني

على الصعيد العملي، يمثل فتح باب استرداد الممتلكات خطراً استراتيجياً واقتصادياً داهماً على الدولة الجزائرية.

السماح لهذه القائمة المكونة من 700 شخص باستعادة العقارات والأراضي سيشكل سابقة قانونية دولية. هذا الإجراء قد يفتح “صندوق باندورا”، مشجعاً مئات الآلاف من “الأقدام السوداء” وعائلاتهم، الذين غادروا الجزائر عام 1962، على رفع دعاوى قضائية دولية للمطالبة بتعويضات أو استرداد ممتلكاتهم.

وفي ظل التحديات الاقتصادية الحالية، فإن خطوة كهذه قد تؤدي إلى استنزاف هائل لخزينة الدولة.

أما داخلياً، فإن المواطن الجزائري، الذي يعاني من أزمات اقتصادية واجتماعية متلاحقة، سيجد صعوبة بالغة في تقبل فكرة أن حكومته تمنح الأجانب امتيازات وعقارات بموجب قرارات استثنائية، في حين تطلب من شعبها الصبر والتقشف. أضف إلى ذلك الصدمة العاطفية والسياسية لشارع مشبع تاريخياً بالخطاب المعادي لإسرائيل والداعم لفلسطين، مما قد يوسع الشرخ القائم أصلاً بين السلطة والمجتمع.

خلاصة القول، إن محاولة النظام الجزائري اللعب على الحبلين؛ بخطاب شعبوي راديكالي في العلن، وتنازلات استراتيجية صامتة في السر، تضعه في مأزق تاريخي. فالتاريخ الحديث يثبت أن السياسات المبنية على الشعارات المزدوجة سرعان ما تصطدم بحائط الواقع، وأن التجارة بالقضايا القومية لها تاريخ صلاحية ينتهي عندما تظهر الوثائق الرسمية ما كانت تخفيه الغرف المغلقة.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *