أُنْبُوبُ الْغَازِ الْإِفْرِيقِيِّ: بَيْنَ بِرَاغْمَاتِيَّةِ الِانْدِمَاجِ الْأَطْلَسِيِّ وَمُفَارَقَاتِ السِّياَسَةِ فِي الْجَزَائِرِ
تشهد القارة الإفريقية سباقاً استراتيجياً محتدماً لربط حقول الغاز النيجيرية بالأسواق الأوروبية المتعطشة للطاقة.
وفي قلب هذا السباق، يبرز مشروعان ضخمان: “الأنبوب العابر للصحراء” الذي تتبناه الجزائر، و”الأنبوب الإفريقي الأطلسي” الذي يقوده المغرب.
ورغم أن المشروعين لا يتنافيان من الناحية التقنية والاقتصادية البحتة، إلا أن المقاربة السياسية وطريقة إدارة الملف من طرف العاصمتين تكشف عن بون شاسع بين رؤية تبني للمستقبل، وأخرى غارقة في هواجس التنافس الإقليمي وتناقضات الداخل.
مفارقة الأولويات: المليارات للخارج وطوابير في الداخل
في أحدث تصريحاته (يوليو 2026)، أثار الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون جدلاً واسعاً حين صرح بأن بلاده “لديها ما يكفيها من الغاز”، وأن استثمارها في الأنبوب العابر للصحراء، الذي تقارب كلفته 20 مليار دولار، يهدف بالأساس إلى “مساعدة نيجيريا والنيجر”.
يطرح هذا الخطاب مفارقة صارخة أمام المواطن الجزائري والمراقب الدولي على حد سواء؛ فكيف يعقل لدولة تواجه تحديات تنموية هيكلية، وأزمات معيشية متكررة تتجسد في طوابير يومية للحصول على المواد الأساسية، أن توجه مليارات الدولارات لمشروع عابر للحدود تحت غطاء “العمل الخيري الجيوسياسي”؟
هذا التناقض بين الخطاب الرسمي الموجه للخارج والواقع المعيشي الداخلي يعكس تخبطاً في تحديد الأولويات الاستراتيجية، ويجعل المشروع يبدو وكأنه أداة سياسية أكثر من كونه حاجة اقتصادية للبلاد.
الانتحار الاقتصادي: حين تمول الدولة منافساً لها!
أخطر ما يغفله المروجون لمسار (نيجيريا – النيجر – الجزائر) هو السقوط في فخ اقتصادي يُعرف بـ “أكل الذات”. فالاقتصاد الجزائري يعتمد بشكل شبه كلي على إيرادات تصدير الغاز نحو أوروبا.
السؤال الجوهري هنا: ما هي الجدوى الاقتصادية من قيام الجزائر بتمويل بناء بنية تحتية ضخمة لجلب غاز نيجيريا -التي تمتلك احتياطيات تفوق 200 تريليون قدم مكعبة بتكلفة استخراج تنافسية- وضخه في نفس الأسواق الأوروبية التي تعتمد عليها الجزائر؟ إن هذا المشروع، من منظور اقتصادي خالص، يعني أن الجزائر تستجلب منافساً قوياً ليقاسمها حصتها السوقية في عقر دارها، ويمنح الأوروبيين ورقة ضغط قوية لخفض الأسعار، لتتحول الجزائر مستقبلاً إلى مجرد “دولة عبور” تكتفي برسوم الترانزيت.
البراغماتية المغربية وعقلية “المباراة الصفرية”
على الضفة الأخرى، تتسم المقاربة المغربية بالهدوء والبراغماتية الشديدة. الخطاب الرسمي في الرباط لم يقدم مشروع “الأنبوب الإفريقي الأطلسي” يوماً كضربة ضد الجزائر، بل يسوقه كمشروع للاندماج الإقليمي يخدم 13 دولة في غرب إفريقيا. فالسوق الأوروبية قادرة على استيعاب إمدادات متعددة، والمشروعان لا يلغي أحدهما الآخر.
لكن العقلية التي تُدار بها الأمور في قصر المرادية غالباً ما تحتكم إلى مبدأ “المباراة الصفرية”؛ حيث يُنظر إلى أي إنجاز مغربي على أنه تهديد وجودي يجب إجهاضه. هذه العقلية هي ذاتها التي دفعت النظام الجزائري سابقاً لتبديد أموال طائلة لإفشال مشاريع استثمارية كبرى في المنطقة (كما حدث في قطاع السيارات باعترافات موثقة لمسؤولين جزائريين كبار من داخل السجن).
إن اعتبار الأنبوب المغربي “كابوساً” يجب إيقافه بأي ثمن، قد أعمى الرؤية الاستراتيجية عن المخاطر الحقيقية لمشروعهم الخاص.
“رأس المال جبان”: لماذا حسم الممولون خيارهم؟
يبقى التمويل هو “مربط الفرس” والمحك الحقيقي لنجاح أي مشروع قاري. المؤسسات المالية الدولية لا تبني قراراتها الاستثمارية على الشعارات أو النكاية السياسية، بل على دراسات المخاطر والجدوى.
– فشل التمويل في مسار الصحراء: يواجه مشروع الجزائر تحفظاً دولياً شديداً بسبب “الثقب الأسود الأمني” في منطقة الساحل والنيجر. فالاضطرابات السياسية، الانقلابات العسكرية، ونشاط الجماعات المسلحة، تجعل من المستحيل تأمين أنبوب طوله آلاف الكيلومترات في صحراء مفتوحة.
– السرعة القصوى للمسار الأطلسي: في المقابل، يتقدم المسار المغربي بخطى ثابتة لأنه صُمم ليكون “مشروعاً قابلاً للتمويل”. مروره عبر شريط ساحلي آمن، واستقراره المؤسساتي، والأهم من ذلك: “أثره التنموي” الذي سيوفر الطاقة ويدعم التصنيع في 13 دولة نامية.
هذا المزيج من الأمن والتنمية هو ما دفع مؤسسات وازنة مثل البنك الإسلامي للتنمية وصندوق “أوبك” لتمويل دراساته ودعمه بقوة.
خلاصة القول، إن المشاريع الاستراتيجية العابرة للقارات لا تُبنى بالتصريحات المتناقضة ولا تُدار بعقلية التشويش على الجيران.
وفي لغة الاقتصاد وموازين الطاقة، يتجه الاستثمار الدولي حتماً نحو حيث يوجد الاستقرار والتكامل والمنفعة المتبادلة.
ولعل سرعة تقدم المسار الإفريقي-الأطلسي، وتعثر الأنبوب العابر للصحراء في رمال الساحل، هو أبلغ دليل على أن البراغماتية التنموية تنتصر دائماً على الوهم السياسي.

