مجلس جهة الشرق… بين دوامة المراجعات وغياب الرؤية التنموية
تكشف دورة مجلس جهة الشرق لشهر يوليوز، المنعقدة اليوم الاثنين عن مفارقة لافتة، ففي الوقت الذي تواجه فيه الجهة واحدة من أعلى معدلات البطالة على الصعيد الوطني، ينشغل مجلس الجهة بإعادة النظر في قرارات سبق أن صادق عليها أكثر مما تنشغل بصياغة أجوبة جديدة للتحديات الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة. وبين وفرة التعديلات وندرة المشاريع التنموية، يبرز سؤال جوهري حول مدى قدرة المجلس على قيادة تنمية جهوية تستجيب لانتظارات المواطنين، أم أن تدبيره أصبح يدور في حلقة من المراجعات الإدارية التي تستهلك الزمن التنموي دون أن تنتج أثرا ملموسا.
هذا التراكم من المراجعات لا يعكس فقط تعقيد المساطر الإدارية، بل يثير تساؤلات حول جودة التخطيط ومدى نجاعة تدبير الملفات التنموية. فحين يصبح جزء مهم من أشغال المجلس موجها إلى تصحيح قرارات سابقة، فإن الزمن السياسي والإداري يُستهلك في إعادة ترتيب الأولويات، بينما تتأخر المشاريع التي ينتظرها المواطنون على أرض الواقع.
وفي المقابل، يبرز غياب واضح لمبادرات تنموية جديدة ذات أثر مباشر على الاقتصاد المحلي وسوق الشغل، رغم أن جهة الشرق تواجه تحديات استثنائية تتطلب سياسات أكثر جرأة وابتكارا. ففي سياق ترتفع فيه معدلات البطالة، خصوصا في صفوف الشباب، يصبح الرهان الحقيقي هو الاستثمار في مشاريع قادرة على خلق فرص العمل وتحريك الدورة الاقتصادية، لا الاكتفاء بإدارة الملفات القائمة.
ومن بين النقاط التي تستوقف المتابعين، التركيز اللافت على إقليم بركان ضمن برنامج التنشيط السياحي والثقافي، بما يجعله المستفيد الوحيد من هذا التوجه. ويطرح هذا الاختيار أسئلة مشروعة حول معايير توزيع المشاريع الجهوية ومدى انسجامها مع مبدأ العدالة المجالية، خاصة وأن أقاليم أخرى، مثل جرادة بما تزخر به منطقة تكفايت من مؤهلات طبيعية، أو تاوريرت بما تمثله مدينة دبدو من قيمة تاريخية وثقافية ورمز للتعايش بين المسلمين واليهود، تمتلك بدورها مقومات سياحية وتراثية تستحق الإدماج ضمن الرؤية الجهوية للتنمية.
وفي ظل هذه المعطيات، يتجاوز النقاش مجرد توزيع البرامج بين الأقاليم، ليطال فلسفة التنمية الجهوية نفسها هل تستند القرارات إلى رؤية متوازنة تستثمر الإمكانات المتنوعة للجهة، أم أنها تعكس أولويات غير متكافئة قد تعمق الإحساس بالفوارق المجالية؟
كما يثير النقاش حول أولويات المجلس سؤالا آخر يتعلق بطبيعة الإنجاز السياسي. ففي الوقت الذي ينتظر فيه المواطنون برامج اقتصادية قادرة على استقطاب الاستثمار وخلق مناصب الشغل وتحسين مؤشرات التنمية، يتحول توزيع الحافلات الرياضية إلى أحد أبرز عناوين الحصيلة، رغم أهميته الاجتماعية المحدودة مقارنة بحجم التحديات الاقتصادية التي تواجهها الجهة.
إن جهة الشرق تقف اليوم أمام مفترق طرق تنموي. فالتحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها لا يمكن مواجهتها بمنطق التدبير اليومي أو الحلول الجزئية، وإنما تحتاج إلى رؤية استراتيجية طويلة النفس، ونخب سياسية وإدارية قادرة على تحويل الإمكانات الطبيعية والبشرية إلى مشاريع منتجة للثروة وفرص العمل. وفي نهاية المطاف، سيظل معيار نجاح أي مجلس جهوي مرتبطا بقدرته على تحسين حياة المواطنين، وجعل التنمية واقعا ملموسا، لا مجرد عناوين تتكرر في جداول الأعمال والدورات الرسمية.

