فرنسا: وزير الداخلية الفرنسي يلتقي بنظيره الجزائري ويملي عليه قرارات لحماية مصالح فرنسا ويعين ضابطا من الدرك ملحقا أمنيا داخليا، في الجزائر الفرنسية، للسهر على تطبيقها
عبدالقادر كتـــرة
في بلاغ نشرته الداخلية الفرنسية، في 2 يونيو 2026، عقب استقبال (أو أستدعاء) وزير الداخلية الفرنسي “لوران نونيز” لوزبر الداخلية الجزائري سعيد سعيود:
“التقى وزير الداخلية بنظيره الجزائري يوم الإثنين 1 يونيو 2026، في زيارة عمل إلى “بوفو” (مقر وزارة الداخلية الفرنسية). تندرج هذه الزيارة في إطار استمرارية الزيارة التي قام بها لوران نونيز إلى الجزائر العاصمة يومي 16 و17 فبراير الماضي، وتماشياً مع رغبة رئيس الجمهورية في استعادة حوار فعّال مع الجزائر، يحترم المصلحة الوطنية لكل من الدولتين.
بعد جلسة مباحثات ثنائية بين الوزيرين، عُقدت عدة اجتماعات عمل بين مديري وممثلي وزارتي الداخلية الفرنسية والجزائرية، بمشاركة المسؤولين المختصين من وزارتي الخارجية في البلدين ووزارة الدفاع الجزائرية. تمحورت هذه الاجتماعات حول القضايا الرئيسية ذات الاهتمام المشترك بهدف تعزيز النتائج التي تم تحقيقها بالفعل: الأمن الداخلي ومكافحة الجريمة المنظمة، قضايا الهجرة، والأمن المدني.
أكدت النقاشات التي جرت على المستويين السياسي والتقني على الإرادة المشتركة لتعزيز التعاون الفرنسي-الجزائري على أسس براغماتية وتدريجية، وموجهة نحو تحقيق نتائج ملموسة للطرفين. وبإقرار استئناف المباحثات، اتفق الطرفان على إعادة بناء آليات عمل حقيقية بين الأجهزة الميدانية حول أولويات محددة، مصحوبة بآليات متابعة تأخذ في الاعتبار اهتمامات كل طرف.
– حول التعاون العملياتي في مجال مكافحة الجريمة المنظمة، تهريب المخدرات، وغسيل الأموال:
. تُعد مكافحة المخدرات المصنعة وتهريب المواد المخدرة، والبحث عن الفارين المتورطين في الجريمة المنظمة، ومكافحة الهجرة غير النظامية والتزوير في الوثائق، من بين محاور العمل ذات الأولوية.
. في هذا الصدد، ستقوم الأجهزة المختصة بوضع تقييمات مشتركة للتهديدات والشبكات المحددة، وصياغة خرائط طريق عملياتية مشتركة، وإعادة تفعيل الآليات المؤسسية بين الشرطة والدرك، وتعزيز المتابعة الثنائية من خلال تقييمات دورية واجتماعات رفيعة المستوى تُعقد بانتظام. علاوة على ذلك، فإن تعيين ملحق أمني داخلي مساعد، وهو ضابط من الدرك الوطني، من شأنه أن يعزز المؤشرات الملموسة لصالح انطلاقة جديدة فعّالة ومؤثرة، واستئناف العمل الكامل لمصلحة الأمن الداخلي في الجزائر العاصمة.
– حول التعاون في مجال الأمن الداخلي ومكافحة الإرهاب: استُؤنف تبادل المعلومات ويتم تعزيزه بشكل مستمر، مع تحديد المخاطر المشتركة الناشئة.
– حول الحماية المدنية: هناك إرادة واضحة من الطرفين لاستئناف العلاقات المكثفة، حيث تم تحديد منهجية عمل. كما تم التطرق إلى موضوعات تعزيز هياكل التدريب واستباق المخاطر المرتبطة بالاحتباس الحراري والكوارث الطبيعية.
– حول قضية الهجرة: سيتم تعزيز الحوكمة وقنوات الاتصال العملياتية في إطار مقاربة شاملة تتضمن التنقل القانوني، وعمليات الترحيل (العودة)، ومكافحة الهجرة غير النظامية. أتاحت النقاشات الصريحة والبراغماتية تأكيد استئناف تعاون مخلص يسمح بزيادة وتيرة عمليات الترحيل. وقد أصبحت جميع القنصليات الموجودة في فرنسا الآن معبأة بالكامل. كما تم التطرق خلال المباحثات إلى قضية الاتفاق الفرنسي-الجزائري لعام 1968، حيث قرر الطرفان العمل بناءً على مقترحات ملموسة ستقدمها فرنسا مستقبلاً لتعديل وتطوير هذا الاتفاق.
كانت هذه النقاشات، التي جرت بروح بناءة وحازمة، تهدف إلى التطرق بشمولية إلى الملفات الكبرى بالنسبة للجزائر وفرنسا على حد سواء، مع إيلاء اهتمام خاص ومُتجدد لعودة مواطننا “كريستوف غليز” إلى فرنسا.
إن تحقيق نتائج ملموسة في مجالات الأمن والتعاون وحماية مواطنينا هو الهدف الواضح والثابت لوزير الداخلية، وذلك في إطار من الاحترام المتبادل والمعاملة بالمثل. يجب أن ترقى العلاقات المؤسسية بين فرنسا والجزائر إلى مستوى الروابط الإنسانية العميقة القائمة بين البلدين”.
يبدو أن فرنسا أخذت كل شيء وأعطت اوامر أمرت بتنفيذها لحماية مصالحها فيما لم تأخذ الجزائر ولو شيئا مجرد وعد حول تعديل ومراجعة اتفاقية1968 باستعادة امتيازات الحكام وأسرهم واسترجاع بعض الأموال السروقة.
لا بد من التساؤل عن دولة تتحدث عن السيادة وترفع شعار السيادة “خط أحمر” تقبل بتعيين ضابط من الدرك الوطني الفرنسي كملحق أمني، في المقاطعة الجزائرية الفرنسية، ليسهر على تطبيق الأوامر التي أعطيت لوزير الداخلية الجزائري سعيد سعيود، وتنفيذها، كما لو كان مقيما عاما خلال العهد الاستعماري.
يبدو أن فرنسا أمرت والجزائر نفذت وانبطحت وخضعت وعادة الى بيت الطاعة، والسبب الحقيقي الذي اندلعت به شرارة الأزمة التي افتعلها النظام العسكري الجزائري هو اعتراف باريس بمغربية الصحراء : فرنسا لم تتراجع بل ستوقع أكبر معاهدة مع المغرب في تاريخهما، والجزائر بلعت لسانها ولم تجرؤ حتى على المطالبة بإطلاق سراح دبلوماسييها المتهمين في العملية الإرهابية المتمثلة في اختطاف المؤثر المعارض الجزائري “أمير بوخورص” الملقب ب”أمير ديزيد”.
هل ذهب وزير الداخلية الجزائري سعيد سعيود، إلى “كانوسا” مكان رئيسه عبدالمجيد تبون الذي سبق أن قال “لن أذهب إلى كانوسا”(في إشارة إلى طلب العفو)؟ أليس هذه أكبر إهانة وإذلال ما بعده إذلال للنظام الجزائري وللجزائر كدولة؟
(في الصورة ماكرون يملي والوفد الجزائري ينصت ويسجل)
– اتفاقية 1968: هي اتفاقية ثنائية تمنح الجزائريين وضعاً قانونياً استثنائياً في فرنسا يختلف عن باقي الأجانب فيما يخص الإقامة والعمل والأسرة.
في السنوات الأخيرة، تصاعدت المطالب في الأوساط السياسية الفرنسية (خاصة اليمين) بإلغاء أو تعديل هذه الاتفاقية بحجة أنها تسهل الهجرة. ذكرها في البيان يشير إلى أن فرنسا وضعت هذا الملف الشائك رسمياً على طاولة المفاوضات.
– أزمة التصاريح القنصلية: عندما يتحدث البلاغ عن “زيادة وتيرة عمليات الترحيل” وتعبئة القنصليات الجزائرية، فهو يشير إلى الأزمة السابقة حيث خفضت فرنسا عدد التأشيرات الممنوحة للجزائريين للضغط على الجزائر لإصدار تصاريح مرور قنصلية ضرورية لترحيل المهاجرين غير النظاميين من فرنسا.
– قضية كريستوف غليز: ذكر اسم مواطن فرنسي محدد في بيان رسمي يعكس وجود أزمة دبلوماسية/قنصلية حول هذا الشخص (قد يكون محتجزاً أو مسجوناً في الجزائر). إدراج اسمه كـ “اهتمام خاص” يجعله ورقة تفاوض فرنسية أو شرطاً لتحسين العلاقات.
يكشف هذا البلاغ عن عدة ديناميكيات في العلاقات الفرنسية-الجزائرية في عام 2026، المقايضة الدبلوماسية (الهجرة مقابل الأمن والتنقل)، إذ واضح أن هناك صفقة ضمنية تُطبخ. فرنسا تريد تسهيلات في ترحيل المهاجرين غير النظاميين وتعديل اتفاقية 1968، وفي المقابل، تعرض على الجزائر تعاوناً في مجال “التنقل القانوني” (التأشيرات) ومكافحة الجريمة وغسيل الأموال (وهو مطلب جزائري لاسترداد الأموال المهربة والفارين).
وحضور ممثلين عن وزارة الدفاع الجزائرية، وتعيين ضابط من الدرك الوطني الفرنسي كملحق أمني، يبرز أن “الأمن الداخلي” والحدود هما المحركان الأساسيان للعلاقات الثنائية حالياً.
يُعد هذا اللقاء محاولة صريحة لـ “إذابة الجليد” وإعادة تطبيع العلاقات الثنائية التي غالباً ما تتسم بالتوتر والتقلب. البلاغ مصاغ بعناية شديدة ليعبر عن الحزم الذي يتطلبه الرأي العام الفرنسي (خاصة في ملفات الهجرة، الترحيل، وتعديل اتفاق 1968).
النقطة الأكثر حساسية في هذا التعاون المستقبلي ستكون مسألة اتفاقية 1968. إعلان فرنسا أنها ستقدم “مقترحات ملموسة” لتطوير الاتفاقية يضع الكرة في ملعب الدبلوماسية؛ فمن غير المرجح أن تتنازل الجزائر بسهولة عن المكاسب التاريخية لهذه الاتفاقية دون الحصول على امتيازات كبرى في المقابل (اقتصادية أو جيوسياسية).
البيانات الصحفية الصادرة عن باريس (وخاصة وزارة الداخلية) تُبرز “نجاح” الإدارة الفرنسية في فرض أجندتها الأمنية وطمأنة ناخبيها في الداخل.
في النهاية، المشهد يعكس “براغماتية باردة” حيث تتجاوز الدول الخطابات المرتفعة جانباً عندما يتعلق الأمر بإدارة مصالحها الأمنية أو الإدارية المباشرة.

