علاقة عصابة جنرالات ثكنة بن عكنون وعصابة البوليساريو بتندوف الجزائريتين الإرهابيتين، علاقة وجود لتوأمين ملتصقين مرتبطين بجسد واحد وروح واحدة وموت أحدهما إعدام للآخر
عبدالقادر كتـــرة
“التوأم الملتصق” (التوأم السيامي) يعكس بدقة حالة من الارتباط الوجودي في علم الجيوبوليتيك، ومن منظور التحليل الاستراتيجي والعلاقات الدولية، فإن العلاقة بين المؤسسة العسكرية الجزائرية (صناع القرار) المارقة وجبهة البوليساريو الإرهابية تتجاوز مجرد التحالف السياسي أو الدعم الدبلوماسي؛ إنها عقيدة هيكلية باتت جزءاً لا يتجزأ من التوازنات الداخلية والإقليمية.
“الارتباط الوجودي” بين الطرفين يُعتبر مصير الطرفين مترابطاً إلى هذا الحد، بحكم الوظائف المتبادلة التي يقدمها كل طرف للآخر.
بالنسبة للمؤسسة العسكرية الجزائرية، ملف الصحراء وجبهة البوليساريو ليسا مجرد قضية خارجية، بل هما أداة حيوية لشرعنة النفوذ الداخلي.
يتم توظيف “التهديد الخارجي” (المتمثل في المغرب) للحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية، وتبرير الميزانيات العسكرية الضخمة، وإسكات الأصوات المطالبة بالإصلاح المدني والديمقراطي.
التخلي عن هذا الملف يعني تجريد المؤسسة من ورقة استراتيجية أساسية مبررة لوجودها القوي في هرم السلطة.
بالنسبة لجبهة البوليساريو، الارتباط عضوي ومطلق. الجبهة تفتقر إلى أي مقومات سيادية مستقلة خارج الدعم المالي، العسكري، اللوجستي (مخيمات تندوف)، والدبلوماسي الجزائري. استمرارها ككيان وظيفي يعتمد بنسبة 100% على الإرادة السياسية في قصر المرادية.
لذلك، فإن “موت أحدهما” سياسياً أو استراتيجياً يعني تجريد الآخر من سبب رئيسي من أسباب بقائه بشكله الحالي وتشريد قادة البوليساريو الإرهابيين بتجفيف منابع أموال الاعانات والمساعدات وإغلاق ممرات قوافل التهريب والمخدرات والاتجار في الأسلحة…
هزيمة البوليساريو تُعد انتكاسة جيوسياسية كبرى للمؤسسة العسكرية الجزائرية قد تفتح باب المساءلة الداخلية عن عقود من الاستنزاف، بينما تراجع المؤسسة العسكرية الجزائرية أو تغير عقيدتها يعني النهاية الحتمية للبوليساريو.
من جهة أخرى، “نفوق” عصابة تندوف له تداعيات تدميرية على مستقبل الجزائر، والإبقاء على هذا “الجسد الواحد” يفرض تكلفة باهظة على الجزائر كدولة:
– الاستنزاف الجيواقتصادي المفتوح: عقود من تمويل البوليساريو، وتوجيه عائدات المحروقات نحو صفقات تسليح لضمان التفوق الإقليمي، وحشد الدعم الدبلوماسي في إفريقيا وأمريكا اللاتينية (عبر المساعدات أو الإعفاء من الديون)، خلقت استنزافاً مستمراً للاقتصاد الجزائري.
هذا يحد من القدرة على تنويع الاقتصاد بعيداً عن تقلبات أسواق الغاز والنفط، مما يضع التنمية الداخلية في خطر مستمر.
– العزلة الدبلوماسية المتزايدة: مع التغيرات الدولية المتسارعة والاعترافات المتوالية بسيادة المغرب على الصحراء أو دعم مبادرة الحكم الذاتي (الولايات المتحدة، إسبانيا، فرنسا، وأغلبية الدول الإفريقية والعربية)، تجد الدبلوماسية الجزائرية نفسها في موقف دفاعي وتراجعي. هذا التمترس خلف موقف كلاسيكي يعزل الجزائر عن ديناميات الشراكة الاستراتيجية الجديدة في البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي.
– بالنسبة لمنطقة شمال إفريقيا والساحل، فإن استمرار هذه المعادلة يفرز تداعيات استراتيجية مقلقة:
أولا، استمرار النزاع يمثل العقبة الصخرية التي تحطمت عليها آمال “اتحاد المغرب العربي”. تكلفة اللاندماج تُقدر بخسارة نقطتين إلى 3 نقاط مئوية من معدل النمو السنوي لدول المنطقة، وهو ما يعطل قيام تكتل اقتصادي قادر على التفاوض بندية مع الاتحاد الأوروبي.
ثانيا، الارتباط بين البوليساريو والمؤسسة العسكرية يغذي سباق تسلح محموم مع المغرب. هذه العسكرة تحول مليارات الدولارات من البنى التحتية، الاستثمارات التكنولوجية، والمشاريع العابرة للحدود (مثل خطوط أنابيب الغاز والطاقة المتجددة) إلى ترسانات عسكرية.
ثاثا، المخيمات في تندوف والوضع غير المحسوم يخلق بيئة رخوة أمنياً. تقارير استخباراتية دولية متعددة حذرت من تقاطع المصالح بين بعض العناصر المسلحة وشبكات التهريب وجماعات الجريمة المنظمة العابرة للحدود في منطقة الساحل والصحراء، مما يهدد الاستقرار من مالي إلى النيجر.
خلاصة القول، المعادلة القائمة هي معادلة “محصلتها صفر”. خروج المنطقة من هذا المأزق يتطلب تحولاً عميقاً في العقيدة الجيوسياسية للمؤسسة الحاكمة في الجزائر، وانتقالاً من عقلية “إدارة الصراع” إلى عقلية “الشراكة الاقتصادية”، وهو تحول لا يبدو وشيكاً في ظل التوازنات الحالية.

