كل الاتحادات الدولية تسير خطوات إلى الأمام والإتحادات الإفريقية تخطو خطوات إلى الوراء متمسكة بالتخلف رافضة السمو إلى مصاف الدول المتحضرة في عصر الرقمنة وغزو الفضاء
عبدالقادر كتـــرة
في الوقت الذي تتجه فيه الكيانات القارية والدولية (مثل الاتحاد الأوروبي أو رابطة الآسيان، وحتى الاتحادات الرياضية كاليويفا) نحو تعزيز الحكامة، الرقمنة، والاندماج الاقتصادي، تبدو المؤسسات الإفريقية وكأنها عالقة في حلقة مفرغة من الاستنزاف الداخلي، بل وتتراجع عن مكتسبات سابقة.
هذا “السير إلى الخلف” ليس مجرد انطباع، بل تدعمه مؤشرات واقعية يمكن تفسيرها من خلال الفجوات التالية مقارنة بالاتحادات الدولية الأخرى:
1. سيادة القانون مقابل هيمنة السياسة
في الاتحادات التي تسير إلى الأمام، القانون هو الذي يؤطر العمل السياسي والرياضي. اللوائح واضحة، وآليات فض النزاعات مستقلة وتتمتع بالقوة الإلزامية.
أما في الحالة الإفريقية (سواء في أجهزة الاتحاد الإفريقي أو الكاف)، فإن السياسة والمناورات الجيوسياسية هي التي تُطوّع القانون.
عندما تُستخدم المؤسسات كمنصات لتصفية الحسابات الإقليمية ومحاولة فرض موازين قوى جديدة، يتم تجميد الميثاق وتُخترق اللوائح، مما يعود بالمؤسسة خطوات إلى الوراء ويفقدها مصداقيتها أمام الهيئات الدولية (مثل محكمة التحكيم الرياضية أو المنظمات الأممية).
2. تجاوز مرحلة التأسيس مقابل العقدة الوجودية
الاتحادات الدولية تجاوزت منذ عقود صراعاتها الحدودية والسيادية، وانتقلت إلى مرحلة “تدبير المصالح المشتركة” (أسواق موحدة، أمن طاقي، استثمارات عابرة للحدود).
في المقابل، لا تزال المنظومة الإفريقية رهينة لـ “صراعات السيادة” وبقايا حقبة الحرب الباردة.
إقحام كيانات غير مكتملة السيادة أو نزاعات انفصالية في هياكل قارية سياسية ورياضية يستنزف طاقة هذه المؤسسات ويمنعها من التركيز على التنمية، مما يجعلها متخلفة بأشواط عن الركب العالمي.
3. الاستقلال المالي والارتهان للمانحين
الخطوات نحو الأمام تتطلب سيادة مالية. الاتحادات الدولية تدير ميزانيات ضخمة من إيراداتها الذاتية. أما الاتحاد الإفريقي، فلا يزال يعتمد بشكل مقلق على التمويل الخارجي (الأوروبي والآسيوي) لتسيير عملياته، ناهيك عن الكاف الذي تعتمد الكثير من اتحاداته المحلية على منح الفيفا للبقاء.
هذا الارتهان يجعل القرارات الاستراتيجية خاضعة لضغوط خارجية أو لدول إقليمية معينة تتحكم في “صنبور” التمويل الداخلي.
4. هجرة الكفاءات المؤسساتية
إفريقيا تمتلك كفاءات قانونية، اقتصادية، وإدارية من الطراز الرفيع، لكن البيئة “العشوائية” التي تحكم مؤسساتها تدفع هذه العقول إلى العمل في الهيئات الدولية أو الأكاديميات الغربية.
عندما تفرغ المؤسسة من الكفاءات التكنوقراطية ويتم تعويضها بالولاءات السياسية، يكون التراجع نحو الخلف نتيجة حتمية.
خلاصة القول، إن استمرار هذا الوضع يحول المؤسسات الإفريقية إلى هياكل بيروقراطية ثقيلة تفتقر إلى الفعالية والمرونة التي يتطلبها العالم المعاصر.

