خطاب الوداع للرئيس الجزائري حول الصحراء: الرضوخ والانحناء لسيف “داموقليس” الأمريكي خوفا من سيناريو نهاية “مادورو” فنيزويلا و”خامينائي” إيران

خطاب الوداع للرئيس الجزائري حول الصحراء:  الرضوخ والانحناء لسيف “داموقليس” الأمريكي خوفا من سيناريو نهاية “مادورو” فنيزويلا و”خامينائي” إيران

عبدالقادر كتـــرة

تاريخياً، ولعقود طويلة، دأبت الدبلوماسية الجزائرية على تغليف موقفها الداعم لجبهة البوليساريو بمرجعية “الشرعية الدولية” وميثاق الأمم المتحدة.

لذلك، فإن إشارة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، في تصريحاته خلال لقائه الشهري مع الصحافة الجزائرية مساء يوم السبت 2 ماي 2026، إلى احترام قرارات الأمم المتحدة تُعد، من “وجهة النظر الرسمية الجزائرية” الموجهة للاستهلاك المحلي، امتداداً لموقفهم المطالب بحل أممي يضمن “حق تقرير المصير”. (وسبق أن جدد تبون هذا الموقف مؤخراً في مارس 2026 خلال لقاءات دبلوماسية).

فرضية “التراجع والتكيف” تستند إلى معطى واقعي حديث؛ وهو أن قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في السنوات الأخيرة (مثل القرار 2703 و2797 الصادر في أكتوبر 2025) باتت تتجاهل خيار “الاستفتاء” بشكل شبه كامل، وتُركز بدلاً من ذلك على دعم الجهود السياسية، وتشيد صراحةً بمقترح الحكم الذاتي المغربي كحل جاد وذو مصداقية، وتدعو الجزائر كطرف معني للعودة إلى الموائد المستديرة. بالتالي، إعلان الجزائر التزامها بهذه القرارات “الجديدة” قد يُفسر سياسياً بأنه بداية للنزول من الشجرة ومحاولة للتماهي مع التوجه الدولي الجديد الذي لم يعد يخدم الطرح الانفصالي.

الولايات المتحدة هي “حاملة القلم” في مجلس الأمن فيما يخص ملف الصحراء وعزمها وقرارها بإقبار هذا النزاع المفتعل، بمثابة “سيف داموقليس” فوق رأس النظام العسكري الجزائري الذي يعلم علم اليقين أن “دونالد ترامب” رئيس الولايات المتحدة الأمريكية لا يمازح ولا يتمازح وله من السيناريوهات على غرار “مادورو فنيزويلا” و”خامينائي إيران”.

الإدارة الأمريكية، ومعها قوى كبرى مثل فرنسا وإسبانيا، تدعم بشكل متزايد مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

“الرضوخ” لواشنطن ينطلق من إدراك القيادة الجزائرية أن السباحة ضد تيار الإجماع الدولي أو تحدي قرارات مجلس الأمن التي تصيغها واشنطن سيؤدي اولا إلى عزلة دبلوماسية للجزائر، في انتظار الأسوء.

الولايات المتحدة تسعى لضمان الاستقرار في شمال إفريقيا والساحل، ولا تتسامح مع أي خطوات قد تؤدي إلى تصعيد عسكري مباشر في المنطقة، مما يفرض على جميع الأطراف، بما فيها الجزائر، تكييف خطابها لتجنب الصدام مع الإرادة الأمريكية.

إذا ما تأكد بالفعل أن هناك انسحاباً تدريجياً أو تغييراً في الموقف الجزائري (من الدعم اللامشروط إلى القبول بالتسويات الأممية المتاحة)، فإن التداعيات ستكون عميقة:

– على مستوى الجزائر داخلياً: التخلص من هذا العبء الدبلوماسي والمالي (الذي كلف خزينة الدولة مبالغ طائلة لعقود) سيسمح للنظام الجزائري بإعادة توجيه موارده نحو التنمية الداخلية، ومعالجة التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي يواجهها المواطن الجزائري.

– على مستوى المنطقة الإقليمية: أي تراجع عن دعم الجبهة الانفصالية سيُمهد الطريق لخفض التوتر بين الرباط والجزائر.

هذا قد يشكل فرصة تاريخية لإعادة إحياء مشروع “المغرب الكبير”، وفتح الحدود، وتنشيط المبادلات التجارية والاقتصادية، مما سيجعل شمال إفريقيا قوة اقتصادية إقليمية متكاملة.

– الاستقرار الأمني: طي هذا الملف سيحد من سباق التسلح المكلف بين البلدين الجارين، وسيسمح بتوحيد الجهود الأمنية لمواجهة التهديدات الحقيقية في المنطقة، المتمثلة في الجماعات المسلحة في منطقة الساحل والصحراء.

خلاصة القول، لغة السياسة والدبلوماسية غالباً ما تكون مرنة وحمالة أوجه. من المرجح أن القيادة الجزائرية تحاول الموازنة بين عدم الظهور بمظهر المتراجع أمام الرأي العام الداخلي، وبين ضرورة التكيف البراغماتي مع المتغيرات الدولية التي تميل كفتها لصالح المغرب.

الأيام والأشهر القادمة، خاصة موقف الجزائر من المشاركة في موائد الحوار الأممية، هي التي ستترجم بشكل عملي ما إذا كان هذا التصريح هو بالفعل تحول جذري ومراجعة لسياسة استمرت 50 عاماً، أم مجرد مناورة دبلوماسية ظرفية.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *