الوجه الوحشي البشع الحقيقي العنصري لنظام بريتوريا ضد المهاجرين الأفارقة وضد مواطنه البيض. فكيف تغير مجتمع جنوب إفريقيا من ضحية العنصرية إلى صانع لها؟

الوجه الوحشي البشع الحقيقي العنصري لنظام بريتوريا ضد المهاجرين الأفارقة وضد مواطنه البيض. فكيف تغير مجتمع جنوب إفريقيا من ضحية العنصرية إلى صانع لها؟

عبدالقادر كتـــرة

مفارقة تاريخية وسوسيولوجية من أعقد ما يواجه القارة الإفريقية اليوم: كيف تتحول أمة كانت رمزاً عالمياً للكفاح ضد العنصرية، وأيقونة لـ “أمة قوس قزح*” التي نادى بها “نيلسون مانديلا” و:ديزموند توتو”، إلى مسرح لأشكال متجددة من العنصرية و”رهاب الأجانب”؟

1- السبب الجوهري لهذا التحول يكمن في طبيعة الانتقال الديمقراطي عام 1994. لقد نجحت جنوب إفريقيا في تفكيك نظام الفصل العنصري (الأبارتايد) سياسياً وقانونياً، لكنها أخفقت في تفكيكه اقتصادياً.

لا تزال جنوب إفريقيا تمتلك واحداً من أعلى معدلات التفاوت الطبقي (مؤشر جيني) في العالم.

الثروة لا تزال مركزة إلى حد كبير في يد الأقلية البيضاء ونخبة سياسية واقتصادية سوداء صاعدة، بينما تعيش الأغلبية العظمى من السود في أحياء الصفيح وسط بطالة خانقة (تتجاوز 32% وتصل إلى أرقام مرعبة بين الشباب).

هذا الضغط الاقتصادي خلق بيئة تنافسية شرسة على الموارد الشحيحة (وظائف بسيطة، سكن، رعاية صحية) في أسفل الهرم الاجتماعي، مما جعل المهاجر الإفريقي البسيط منافساً مباشراً، ليتحول إلى هدف للعنف.

2. “رهاب الأفارقة” كآلية سياسية للتعويض

ما يحدث في جنوب إفريقيا اليوم يُصنف بدقة أكبر كـ “رهاب الأفارقة” وليس مجرد كراهية للأجانب.

تعاني قطاعات واسعة من الطبقة السياسية الحاكمة من الإخفاق في تقديم الخدمات الأساسية (أزمة الكهرباء، تراجع البنية التحتية، الفساد).

لتشتيت الانتباه عن هذا الفشل المؤسسي، تلجأ بعض القيادات السياسية والمحلية إلى خطاب شعبوي يجعل من المهاجر الإفريقي “كبش فداء”.

يتم تحميل هؤلاء مسؤولية الجريمة، وانهيار الخدمات، وسرقة الوظائف، مما يضفي شرعية شعبية على العنف ضدهم.

3. ثقافة العنف المتأصلة (تراث نظام الفصل العنصري)

العنصرية ليست مجرد قوانين، بل هي ثقافة تتسرب إلى البنية النفسية للمجتمع. لقد اعتمد نظام الأبارتايد لعدة عقود على العنف المفرط لفرض السيطرة، وهو ما أدى إلى تطبيع العنف كأداة لحل النزاعات والتعبير عن الإحباط.

عندما تشعر الفئات المهمشة بغياب العدالة وعدم جدوى مؤسسات الدولة، فإنها تلجأ إلى العنف كآلية للتعبير. والمفارقة هنا هي “توجيه الغضب إلى الأسفل”؛ فبدلاً من الثورة على النخب الحاكمة أو الهياكل الاقتصادية المعقدة، يتم تفريغ هذا الغضب ضد الحلقة الأضعف: المهاجر الإفريقي.

4. الاستثناء الجنوب إفريقي (العزلة عن القارة)

طوال حقبة الأبارتايد، كانت جنوب إفريقيا معزولة جغرافياً وثقافياً واقتصادياً عن بقية القارة الإفريقية.

هذا العزل ولّد شعوراً بـ “الاستثنائية” لدى شريحة واسعة من الجنوب إفريقيين، حيث لا ينظرون إلى أنفسهم كجزء من النسيج الإفريقي الأوسع، بل ينظرون إلى بقية القارة بنظرة دونية أحياناً. هذا يفسر لماذا يتم نسيان الدعم التاريخي واللوجستي الذي قدمته دول مثل غانا ونيجيريا وزامبيا لحركات التحرر في جنوب إفريقيا.

5. العنصرية متعددة الاتجاهات (بما فيها ضد البيض)

مع تزايد الإحباط الاقتصادي، برزت حركات سياسية يسارية راديكالية وشعبوية (مثل حزب “مقاتلون من أجل الحرية الاقتصادية” EFF بقيادة جوليوس ماليما) تتبنى خطابات تصعيدية تطالب بمصادرة أراضي المزارعين البيض دون تعويض.

أدت سياسات “التمكين الاقتصادي للسود” (B-BBEE)، رغم نبل أهدافها في تصحيح المظالم التاريخية، إلى شعور بعض الأقليات البيضاء بالتهميش أو ما يسمونه بـ “العنصرية العكسية”. هذا، بالإضافة إلى تصاعد الاعتداءات على المزارع، أبقى التوتر العرقي حياً ومفتوحاً على كل الجبهات.

خلاصة القول، مجتمع جنوب إفريقيا لم يتحول من الضحية إلى الجلاد بين ليلة وضحاها. بل إن “الضحية” لم تُشفَ من صدماتها الاقتصادية والنفسية، وبدلاً من استئصال بنية عدم المساواة التي أسسها الاستعمار والعنصرية، تم إعادة تدويرها بوجوه جديدة.

العنف اليوم، سواء ضد المهاجرين الأفارقة أو التوترات العرقية الداخلية، هو العَرَض الأكثر دموية لفشل الدولة في تحقيق التنمية الشاملة التي وُعِد بها الشعب بعد عام 1994.

* مصطلح “أمة قوس قزح” (Rainbow Nation) يُطلق على دولة جنوب إفريقيا في حقبة ما بعد تفكيك نظام الفصل العنصري (الأبارتايد) عام 1994.

صاحب التسمية: أول من صاغ هذا المصطلح هو كبير الأساقفة الجنوب إفريقي والناشط البارز في مجال حقوق الإنسان “ديزموند توتو” (Desmond Tutu)، الحائز على جائزة نوبل للسلام.

التبني الرسمي والتكريس: تبنى الزعيم الراحل نيلسون مانديلا هذا المصطلح بقوة، وجعله ركيزة أساسية في خطابه التاريخي بمناسبة تنصيبه أول رئيس أسود ديمقراطي للبلاد في مايو 1994، حيث قال عبارته الشهيرة: “نعهد بأن نبني مجتمعاً يستطيع فيه جميع مواطني جنوب إفريقيا، السود والبيض معاً، السير باعتزاز، دون خوف في قلوبهم، مطمئنين بحقهم غير القابل للتصرف في الكرامة الإنسانية؛ أمة قوس قزح في سلام مع نفسها ومع العالم”.

الرمزية والدلالة السياسية: * يشير “قوس قزح” إلى التنوع الديموغرافي والثقافي الهائل في المجتمع الجنوب إفريقي، والذي يضم أعراقاً متعددة (الأفارقة السود، البيض من أصول هولندية وبريطانية، الملونين، وذوي الأصول الآسيوية/الهندية)، بالإضافة إلى 11 لغة رسمية.

كان المفهوم أداة سياسية واجتماعية حيوية لخلق هوية وطنية جديدة وموحدة، تهدف إلى تجنيب البلاد الانزلاق نحو حرب أهلية عرقية، وتدعو إلى المصالحة والتسامح بدلاً من الانتقام لتجاوز جراح الماضي الاستعماري والعنصري.

الانعكاس البصري: تم تجسيد هذه الفكرة بصرياً في العلم الوطني الجديد لجنوب إفريقيا (الذي اعتمد عام 1994)، والذي يضم ستة ألوان متداخلة صُممت خصيصاً لتمثيل مسار الأمة نحو الوحدة والتنوع.

رغم نبل هذا المفهوم والنجاح السياسي الأولي الذي حققه في تجنيب البلاد حمام دم، فإن الواقع الحالي—كما تفضلنا بالتحليل سابقاً—يُظهر أن “أمة قوس قزح” تتعرض لاختبارات قاسية؛ حيث بهتت ألوان هذا الشعار المثالي تحت وطأة التفاوت الاقتصادي الصارخ، والإخفاق في توزيع الثروة، وتصاعد موجات “رهاب الأجانب” والتوترات الاجتماعية المعقدة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *