قصة “أم الحسن” البوسبيرية الجزائرية “محترفة الدعارة” قوادة جيش من العاهرات لجنود فرنسا، وصمة عار مهنية في تاريخ الجزائر، خائنة وعميلة الإستعمار الفرنسي

قصة “أم الحسن” البوسبيرية الجزائرية “محترفة الدعارة” قوادة جيش من العاهرات لجنود فرنسا، وصمة عار مهنية في تاريخ الجزائر، خائنة وعميلة الإستعمار الفرنسي

عبدالقادر كتــرة

من خلال تقاطع المعلومات المذكورة في القصاصات الصحفية، ترتسم ملامح حياة شخصية “أم الحسن” (أو مولاي حسن) الجزائرية المشهورة بزعامة بيوت الدعارة واحتضان لمئات العاهرات الجزائريات وتوظيفهن للجنود الفرنسيين ومعروفة بخيانتها لبلدها الجزائر وبعمالتها للمستعمر الفرنسي.

وفقاً لصحيفة La Dépêche (1938)، ولدت “أم الحسن” عام 1890 في قصبة الجزائر العاصمة، لأبوين هما علي وقدوي الحسن بن محمد. نشأت في بيئة فقيرة وصعبة في أزقة القصبة.

كما يظهر في صحيفة Daily News (1937)، عملت كراقصة وبغي (وغالباً ما كان المستعمر يربط هذه المهن بنساء منطقة “أولاد نايل” ببوسعادة بالجزائر كنوع من الاستشراق والاستغلال الاستعماري).

انتقلت إلى المغرب خلال فترة الحماية الفرنسية. وتشير القصاصات إلى أنها قدمت “أعمالاً بطولية وخدمات للفرنسيين” (كما تدعي الصحيفة الإنجليزية)، مما مكنها من جمع الثروة والنفوذ لتصبح، حسب وصف الصحيفة، “واحدة من السيدات العظيمات” في ذلك الوقت المظلم.

كانت تخدم المستعمر الفرنسي ضد المحاربين المجاهدين المغاربة، إذ في أحد المرات ساعدت جنودا فرنسيين بحمايتهم من المجاهدين، باخفائهم ببيت الدعارة وكانت ستحصل على وسام الشرف أصدره نابوليون لكن الفرنسيين لم يتقبلوا الأمر لأنها بالنسبة لهم مجرد عاهرة لا شرف لها ولا تستحق هذا التكريم.

انتهى بها المطاف عام 1937 للمحاكمة في مدينة فاس بتهمة القتل، بعد أن سقطت من مجدها الذي بنته في كنف المستعمر.

الوثائق التاريخية صريحة جداً في تحديد هويتها. الصحف تصفها بـ “الجزائرية” (الراقصة الجزائرية)، وتحدد مكان ولادتها بوضوح في “قصبة الجزائر”.

علاقتها بالمغرب لم تكن علاقة انتماء أصيل، بل كانت ضمن حركة انتقال الأفراد التي سهّلها أو فرضها النظام الاستعماري الفرنسي. استقرت في المغرب (تحديداً في مدن مثل الدار البيضاء وفاس) لتدير أعمالها المرتبطة بالدعارة المقننة التي نظمها الفرنسيون لخدمة جنودهم.

لماذا تواجدت جزائريات كصاحبات بيوت دعارة في تلك الفترة؟

السؤال حول سبب وجود جزائريات في هذا القطاع في المغرب آنذاك يرتبط ارتباطاً وثيقاً بـ السياسة الاستعمارية الفرنسية، وليس بطبيعة الشعوب.

احتلت فرنسا الجزائر عام 1830، بينما فرضت الحماية على المغرب عام 1912. خلال تلك العقود الثمانية، قام الاستعمار الفرنسي في الجزائر بتفكيك البنى الاجتماعية، وتفقير السكان، ومصادرة الأراضي.

هذا التفقير الممنهج دفع ببعض الفئات الهشة والمهمشة إلى ممارسة البغاء كطريقة للبقاء.

عندما دخل الفرنسيون المغرب، جلبوا معهم نظام “الأحياء المخصصة” (مثل حي بوسبير في الدار البيضاء الذي بُني عام 1923). ولأن الجيش الفرنسي كان يضم مجندين فرنسيين ومن مستعمرات أخرى، قامت الإدارة العسكرية الفرنسية بنقل العديد من النساء من الجزائر (التي كانت تعتبر مقاطعة فرنسية وتخضع لتنظيمات أقدم) لتأسيس وإدارة هذه الأماكن في المغرب، نظراً لـ “خبرتهن” السابقة في النظام الذي خلقه المستعمر نفسه.

المستعمر هو من كان ينظم هذه التجارة، ويصدر الرخص، ويقوم بالفحوصات الطبية، وبالتالي هو من وظّف هؤلاء النساء واستغلهن كأدوات للسيطرة على جنوده.

مما جاء في إحدى الوثائق لأحد الجنزود الفرنسيين: “…تدخل ستمائة امرأة في انتظارنا. ستمائة امرأة من كل الألوان البيضاوات، والنحاسيات، والسوداوات من جميع الأعمار ومن مختلف الهيئات. هناك أولئك – وهنّ بصفة عامة جزائريات شابات أو يهوديات شابات – اللواتي يترصدنكم منذ المدخل ويحمن حولكم كأنهن سرب من تلميذات المدارس.”

لماذا يرفض الجزائريون نسبها للجزائر؟

رفض الذاكرة الشعبية أو الرسمية الجزائرية تبني شخصية مثل “أم الحسن” يعود لأسباب نفسية واجتماعية وتاريخية عميقة ومفهومة “وصمة العار المهنية”.

مهنة البغاء تتنافى مع القيم الدينية والاجتماعية المحافظة للمجتمع الجزائري (والمغاربي عموماً). المجتمعات بطبيعتها ترفض تخليد أو الاعتراف بالشخصيات التي تمثل انحطاطاً أخلاقياً.

الخيانة والتعاون مع المستعمر (الحركيّة): هذا هو السبب الأهم. القصاصات تؤكد أن هذه السيدة “خدمت الفرنسيين” ووفرت لهم الحماية (إخفاء الجنود ضد المقاومين كما ذكرت).

في الوجدان الجزائري، الذي تأسس على تبجيل المقاومة وشهداء الثورة، أي شخص تعاون مع الاستعمار الفرنسي هو “خائن” (حركي). الذاكرة الوطنية تحتفي بالبطلات المقاومات (مثل لالة فاطمة نسومر، حسيبة بن بوعلي، وجميلة بوحيرد)، وتتبرأ تلقائياً وتتجاهل من تعاونوا مع الجلاد، بغض النظر عن مكان ميلادهم.

خلاصة القول، تعتبر قصة “أم الحسن” نموذجاً مأساوياً لما يفعله الاستعمار بالشعوب: تفقير، استغلال للضعف، تحويل البشر إلى أدوات لخدمة الجيوش، ثم تحويلهم إلى متعاونين ضد بني جلدتهم أو جيرانهم.

هي شخصية جزائرية المولد فعلاً حسب الوثائق، لكنها تعتبر نتاجاً خالصاً ومشوهاً للمنظومة الاستعمارية الفرنسية.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *