فضيحة وسابقة نادرة في السياسة الدولية: السنغال تعلن رسميا وبوضوح رفضها دعم ترشيح رئيسها السابق “ماكي سال” لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة خلفا ل”غوتيريس”
عبدالقادر كتـــرة
يأتي هذا الموقف الغريب والعجيب وغير المفهوم في الوقت الذي يستعد الاتحاد الإفريقي لتبني ترشيح “ماكي سال” ودعمه كمرشح للقارة عبر آلية “الصمت”، أي تمرير القرار دون اعتراض.
علق أحد السياسيين المصدومين”هذا التطور يحول الملف من مجرد ترشيح دولي إلى فضيحة سياسية مكتملة الأركان: رئيس سابق يُدفع به نحو أعلى منصب أممي، بينما بلده نفسه يعلن رسميا أنه لا علاقة له به.
وهذه سابقة تطرح أكثر من علامة استفهام حول طبيعة التحولات داخل السنغال، وحدود القطيعة مع المرحلة السابقة”.
هذا التطور يمثل بالفعل زلزالاً دبلوماسياً، ليس فقط في أروقة الاتحاد الأفريقي، بل وفي كواليس الأمم المتحدة أيضاً. إن تبرؤ الدولة من رئيسها السابق في محفل دولي بهذه الحساسية يعكس عمق الشرخ السياسي الداخلي في السنغال والتحول الراديكالي في عقيدتها الدبلوماسية تحت القيادة الجديدة (الرئيس باسيرو ديوماي فاي والوزير الأول عثمان سونكو).
كانت الخطة تعتمد على ما يُعرف بـ “إجراء الصمت” داخل الاتحاد الأفريقي؛ وهو عرف دبلوماسي يعني أنه إذا لم تعترض أي دولة عضو خلال فترة زمنية محددة، يُعتبر المقترح مقبولاً بالإجماع.
وما زاد في العجب عجبا أن دولة “بوروندي” هي من قدمت المقترح وليس السنغال، وهو أمر مثير للريبة بروتوكولياً، إذ جرت العادة أن تقدم الدولة الأم مرشحها للمناصب الدولية الكبرى.
من جهتها لم تكتف المذكرة الرسمية السنغالية برفض الدعم، بل أكدت بلهجة حادة أنها “لم تُستشر”، مما يوحي بوجود محاولة “تهريب” للترشيح دولياً دون غطاء وطني.
لا يمكن فصل هذا الموقف عن الصراع السياسي المحلي المرير الذي سبق الانتخابات السنغالية الأخيرة.
القيادة الحالية في السنغال ترى في “ماكي سال” خصماً سياسياً حاول عرقلة المسار الديمقراطي وسجن معارضيه (بمن فيهم الرئيس الحالي نفسه).
دعم ترشيحه دولياً يعني منح “حصانة معنوية” وشرعية دولية لرجل يتهمونه في الداخل بمحاولة الانقلاب على الدستور.
يرفع الثنائي “فاي-سونكو” شعار “السيادة الوطنية”، ويرون أن دفع قوى إقليمية أو دولية بمرشح سنغالي دون موافقة الدولة هو تدخل في الشأن الداخلي.
على مستوى الاتحاد الأفريقي، سابقة ستجعل الاتحاد أكثر حذراً في استخدام “آلية الصمت”. كما تظهر ضعف التنسيق بين مفوضية الاتحاد والدول الأعضاء في ملفات الترشيحات الكبرى.
تلقى طموح سال ضربة قاضية؛ فمن المستحيل عملياً الوصول لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة أو أي منصب أممي رفيع دون “تزكية” د من الدولة الأم، خاصة في ظل نظام المجموعات الإقليمية.
الرسالة للداخل السنغالي، هي رسالة طمأنة لقواعد حزب “باستيف” (الحزب الحاكم) بأن القطيعة مع نظام ماكي سال ليست مجرد شعارات، بل ممارسة فعلية حتى في المحافل الدولية.
خلاصة القول، ما حدث هو إعدام سياسي دولي بدم بارد. السنغال اليوم تؤسس لمرحلة “الدبلوماسية الهجومية” التي لا تجامل على حساب المواقف السياسية الداخلية.
الخطورة في هذه السابقة أنها قد تفتح الباب لظاهرة “انتقام الدول من رؤسائها السابقين” على المسرح الدولي، وهو ما قد يربك التوازنات التقليدية في المنظمات الدولية. فإذا كان الرئيس السابق لا يحظى بثقة بلده، فكيف سيحظى بثقة المجتمع الدولي لإدارة شؤون العالم؟
باختصار: ماكي سال الذي كان يُنظر إليه كـ “رجل الغرب المدلل” في غرب أفريقيا، يجد نفسه اليوم “يتيماً دبلوماسياً” بعد أن رفعت السنغال يدها عنه رسمياً.

