عندما تتلمذ الدكتوراه على يد “الباك ناقص عشرة”
حقا… لقد هزلت.
ليس لأن الجهل انتشر، فالجهل موجود منذ أن اكتشف الإنسان أول عذر لعدم القراءة. الجديد فقط أن الجهل لم يعد يخجل من نفسه؛ بل أصبح يجلس في الصف الأول، بينما تقف النخبة خلفه تصفق بحماس.
في الأزمنة العادية، كانت المجتمعات تعول على النخب من أساتذة، باحثين، أطر عليا، وأصحاب شهادات يفترض أنها أُرهقت في المكتبات قبل أن تعلّق على الجدران. مهمتهم كانت واضحة وهي فهم أسباب التخلف، تحليل مظاهر الجهل، وتوجيه المجتمع نحو النهوض.
لكن يبدو أننا دخلنا زمنا أكثر إبداعا… زمنا انقلبت فيه الأدوار.
فالنخبة التي كان يفترض أن تقود المجتمع، اكتشفت طريقاً أقصر وهي الانقياد.
ومع كامل الاحترام لمهنة السياقة النبيلة، أصبح “الشيفور” اليوم ليس فقط من يقود السيارة، بل من يقود النقاش، ويوزع الحكمة، ويرسم الطريق… بينما يجلس صاحب الدكتوراه في المقعد الخلفي، يهز رأسه بإعجاب، وكأنه اكتشف للتو مدرسة فلسفية جديدة اسمها الواقعية (الباك ناقص عشرة).
المفارقة المضحكة أن بعض هؤلاء “المفكرين الجدد” من النخب لا يترددون في لوم المواطن. فالمشكلة دائما في الشعب:
الشعب لا يفهم، الشعب لا يستحق، الشعب مقصر.
أما النخبة؟ فهي بريئة كبراءة طفل اكتشف لتوه زر “الإعجاب”.
والحال أن النخبة في أي مجتمع هي المحرك الحقيقي وهي التي تصوغ الأسئلة، ترسم الأهداف، وتؤطر المواطنين داخل المؤسسات المدنية والسياسية. هي العقل الذي يمنع المجتمع من السير وراء أول شعار مرتفع الصوت.
لكن في مدينتنا العجيبة، يبدو أن العقل نفسه قرر أخذ عطلة طويلة… وترك المهمة لأصحاب شعار المرحلة:
“زيد زيد يا شيفور… تستاهل قرعة جيدور.”
وهكذا أصبح المشهد أكثر وضوحاً:
الجهل يتكلم بثقة،
والنخبة تصفق،
والمواطن يتفرج… ثم يلام لأنه لم يفهم المسرحية.
وعند هذه النقطة، لا يعود مستغربا أن يحتقر المواطن بعض هذه النخب. فحين تتخلى النخبة عن دورها، وتتحول من بوصلة إلى تابع، فإنها لا تفقد احترام المجتمع فقط… بل تفقد حتى المبرر الذي يجعلها تسمى نخبة.
لكن لا بأس… فلكل عصر فلسفته.
وفي عصرنا هذا، يبدو أن أعظم إنجاز فكري هو أن تحمل شهادة عليا… ثم تقضي وقتك في إثبات أن “الباك ناقص عشرة” هو أعلى درجات الحكمة الشعبية… ولله في خلقه شؤون.

