جهة الشرق .. حين يتحول الاقتصاد الاجتماعي إلى واجهة جديدة لتكريس مؤسسات بلا أثر ومساءلة غائبة

جهة الشرق .. حين يتحول الاقتصاد الاجتماعي إلى واجهة جديدة لتكريس مؤسسات بلا أثر ومساءلة غائبة

أثار إدراج نقطة إحداث الأكاديمية الجهوية للاقتصاد الاجتماعي والتضامني ضمن جدول أعمال الدورة العادية لشهر مارس لمجلس جهة الشرق الذي تضمن 50 نقطة، المنعقدة يوم الاثنين 2 مارس الجاري، موجة من الجدل وردود الفعل القوية داخل أوساط عدد من أعضاء المجلس، الذين تساءلوا بصراحة عن الدواعي الحقيقية لهذه الخطوة، في ظل استمرار مؤسسات وهيئات سابقة في الوجود الشكلي دون أثر ملموس على أرض الواقع.

الاجتماع الذي احتضنه مقر مجلس جهة الشرق، والذي تراسه محمد بوعرورو، الذي سقط سهوا على رئاسة مجلس الجهة، وبحضور والي جهة الشرق عامل عمالة وجدة انجاد، كان من المفترض أن يشكل محطة لتقييم السياسات العمومية الجهوية وتعزيز آليات الحكامة الترابية. غير أن النقطة المتعلقة بإحداث أكاديمية جهوية للاقتصاد الاجتماعي والتضامني تحولت إلى بؤرة نقاش محتدم، أعاد إلى الواجهة إشكالية تعدد البنيات وغياب الفعالية.

عدد من أعضاء المجلس اعتبروا أن الحديث عن إحداث مؤسسة جديدة، تحت مسمى “أكاديمية”، يطرح أكثر من علامة استفهام، خاصة وأن الجهة سبق أن أعلنت عن إحداث مرصد جهوي للاقتصاد الاجتماعي والتضامني ودار الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، وهما هيكلان ما يزالان، وفق تعبير بعض المنتخبين، “حبرا على ورق”، سواء من حيث التفعيل أو من حيث الأثر التنموي الملموس لفائدة التعاونيات والحرفيين وحاملي المشاريع.

السؤال الجوهري الذي طرح بقوة داخل أشغال الدورة هو ما الجدوى من خلق بنية جديدة في ظل عدم تفعيل البنيات السابقة؟ وهل يتعلق الأمر فعلاً برؤية استراتيجية متكاملة لتأهيل الفاعلين في مجال الاقتصاد الاجتماعي، أم أننا أمام إعادة إنتاج لسياسة تضخيم العناوين دون مساءلة حقيقية للمخرجات؟

الاقتصاد الاجتماعي والتضامني ليس شعاراً للاستهلاك السياسي، بل رافعة تنموية يفترض أن تستند إلى التأطير والتكوين والتمويل والمواكبة والتقييم. وإذا كانت الأكاديمية المقترحة ستقتصر على تنظيم دورات تكوينية موسمية أو لقاءات ظرفية، دون ربطها بمنظومة إنتاج حقيقية وسلاسل قيمة واضحة، فإنها لن تكون سوى إضافة شكلية إلى لائحة المؤسسات غير المفعّلة.

الانتقادات الموجهة لرئاسة الجهة لا تتعلق بمبدأ تطوير هذا القطاع، بل بطريقة تدبيره. فبدل تقييم حصيلة المرصد ودار الاقتصاد الاجتماعي، وتحديد مكامن التعثر، ومساءلة المسؤوليات الإدارية والسياسية، يتم القفز إلى مبادرة جديدة قد تستهلك اعتمادات مالية إضافية، في سياق اقتصادي واجتماعي يتسم بالهشاشة والضغط على الميزانيات.

كما عبر بعض الأعضاء عن تخوفهم من أن يتحول المشروع إلى فضاء لتوزيع المهام والصفقات والدراسات، دون أثر فعلي على تحسين دخل التعاونيات النسوية أو دعم الشباب حاملي المشاريع في العالم القروي. وهو تخوف مشروع في ظل غياب تقارير تقييمية مفصلة حول ما تحقق فعلا في هذا القطاع خلال السنوات الماضية.

إن الرهان الحقيقي لا يكمن في إحداث بنايات أو تسميات جديدة، بل في ترسيخ حكامة ناجعة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، واعتماد مؤشرات قياس دقيقة لمدى استفادة الفئات المستهدفة. أما الاستمرار في منطق “التأسيس فوق التأسيس” دون مساءلة أو شفافية، فإنه يكرس فجوة الثقة بين المنتخبين والمواطنين.

اليوم، يجد رئيس الجهة نفسه أمام امتحان سياسي وأخلاقي، إما أن يقدم رؤية واضحة ومتكاملة تشرح مبررات إحداث الأكاديمية، وتحدد علاقتها بالمرصد ودار الاقتصاد الاجتماعي، وتلتزم بأجندة تفعيل دقيقة ومعلنة، أو أن يظل المشروع محاطا بشبهات الغموض واتهامات الارتجال.

فالتنمية الجهوية ليست سباقا نحو تكثير الهياكل، بل مسؤولية تتطلب وضوح الاختيارات، وترشيد النفقات، واحترام ذكاء الرأي العام. وأي خطوة لا تستند إلى تقييم موضوعي وشامل لما سبق، ستظل، مهما حسنت النوايا، موضع شك وتساؤل مشروعين.

ولنا عودة بالتفصيل لباقي النقط التي أدرجت في جدول اعمال الدورة، مع ابراز الخلفيات الحقيقية من ورائها، والتي في غالبها لها علاقة بتصفيه حسابات شخصية او بمحاباة سياسية مع الانعدام التام لمبدأ العدالة المجالية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *