صدمة للجزائر: تعيين الدبلوماسي والسياسي الفنلندي “بيكا هافيستو” مبعوثاً أمميا جديداً إلى السودان خلفا للجزائري رمطان لعمامرة المطرود والمرفوض من الأطراف السودانية
عبدالقادر كتـــرة
في خطوة تهدف إلى إعطاء زخم جديد لجهود السلام المتعثرة في السودان، أعلن الأمين العام للأمم المتحدة “أنطونيو غوتيريش”، يوم الثلاثاء، 24 فبراير 2026، تعيين الدبلوماسي والسياسي الفنلندي المخضرم بيكا هافيستو مبعوثاً شخصياً جديداً له إلى السودان، وهو الأمر الذي اعتبر صدمة في الجزائر وصعقة للنظام العسكري الجزائري ونكسة لسياسته.
يخلف “هافيستو” في هذا المنصب الدبلوماسي الجزائري “رمطان لعمامرة” الذي شغل المنصب منذ أواخر عام 2023، استجابة للضغوط والاحتجاجات المتزايدة من قبل أطراف سودانية فاعلة، حيث واجه لعمامرة انتقادات حادة من قوى سياسية ومدنية اتهمته بـ”عدم الاستقلالية والانحياز لأحد أطراف القتال”، كما اعترف هو نفسه بصعوبة مهمته وفشله في إقناع أطراف النزاع بالجلوس إلى طاولة التفاوض .
ويأتي هذا التعيين في وقت يدخل فيه الصراع الدامي في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع عامه الثالث، مخلفاً عشرات الآلاف من الضحايا، وأكثر من 13 مليون نازح، وواحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والمجاعات في العالم.
من هو بيكا هافيستو؟
لا يختلف اثنان على عمق الخبرة التي يحملها المبعوث الجديد، والتي قد تكون مفتاحاً لنهج مختلف في التعامل مع الأزمة السودانية. يتمتع هافيستو، العضو الحالي في البرلمان الفنلندي، بأكثر من 40 عاماً من الخبرة في السياسة والشؤون الدولية . تشمل أبرز محطاته المهنية:
– خبرة وزارية رفيعة: شغل منصب وزير خارجية فنلندا، بالإضافة إلى مناصب وزارية أخرى .
– خبرة سابقة في السودان: تعتبر هذه العودة إلى السودان هي الثانية لهافيستو، حيث عمل بين عامي 2005 و2007 كممثل خاص للاتحاد الأوروبي في السودان، وشارك في مفاوضات سلام دارفور. خلال الفترة ذاتها، عمل أيضاً كمستشار رفيع المستوى للأمم المتحدة في عملية سلام دارفور . هذه الخبرة الميدانية المباشرة في الملف السوداني تشكل نقطة قوة جوهرية له.
– خبرة إقليمية ودولية واسعة: يتمتع هافيستو بخبرة في عمليات الوساطة والتفاوض في منطقة القرن الأفريقي والشرق الأوسط، وعمل مع برنامج الأمم المتحدة للبيئة في عدة بؤر توتر حول العالم، مثل كوسوفو وأفغانستان والعراق .
كان رد الفعل الأول من القوى المدنية السودانية إيجابياً حذِراً. فقد رحب “التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة” (صمود)، بقيادة رئيس الوزراء الأسبق عبد الله حمدوك، بتعيين هافيستو .
واعتبر التحالف في بيان له أن هذه الخطوة تمثل “فرصة جديدة أمام الأمم المتحدة لتضطلع بدور أكثر فعالية في إنهاء الحرب في السودان، التي تعدّ أكبر كارثة في العالم” .
وأبدى “صمود” استعداده للتعاون الإيجابي مع المبعوث الجديد للضغط على أطراف الحرب للقبول بهدنة إنسانية فورية غير مشروطة، ودعم إطلاق عملية سياسية بقيادة سودانية . في المقابل، عبرت بعض الأصوات على وسائل التواصل الاجتماعي عن تشككها، معتبرة أن السودان تحول إلى “حقل تجارب للمبعوثين الأمميين لاكتساب الخبرات” .
يأتي هذا التعيين في وقت يشهد فيه السودان واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، حيث أودى الصراع بين الجيش وقوات الدعم السريع بحياة عشرات الآلاف، وأجبر أكثر من 13 مليون شخص على النزوح من منازلهم . وحسب آخر تقارير الأمم المتحدة، فإن الأوضاع في دارفور كارثية بشكل خاص، حيث تستضيف بلدة طويلة في شمال دارفور وحدها أكثر من 715 ألف نازح، معظمهم فروا من العنف في الفاشر ومخيماتها . كما يعاني أكثر من نصف السكان في المنطقة من نقص حاد في المياه، وتتفشى الأمراض بسبب انهيار خدمات الصرف الصحي .
يقر هذا التغيير اعترافا ضمنيا بفشل المسار السابق إذ، من الناحية العملية، المقاربة التي تبنّاها المبعوث السابق رمطان لعمامرة لم تكن فعّالة في ظل التعقيدات الحالية.
الضغوط السودانية والإقليمية نجحت في إحداث هذا التغيير، مما يعكس حساسية الأمم المتحدة لمواقف الأطراف المحلية، أو على الأقل لبعضها .
ثم اختيار شخصية مثل هافيستو، التي تلمّ بتفاصيل النزاع السوداني منذ فترة مفاوضات دارفور، يشير إلى رغبة الأمم المتحدة في التعامل مع الأزمة من منظور تاريخي أوسع. فهو ليس غريباً عن تعقيدات المشهد السوداني، ويعرف شخصياته الرئيسية وتوازنات القوى فيه، مما قد يختصر عليه منحنى التعلم الطويل .
من جهة أخرى، يعتبر هذا التعيين رسالة للقوى المدنية حيث جاء استجابة لاحتجاجات “أطراف سودانية”، وفي مقدمتها القوى المدنية التي كانت تنتقد لعمامرة بشدة . هذا قد يُفسر على أنه محاولة من غوتيريش لإعادة بناء الثقة مع هذه القوى، وإشراكها بشكل أكبر في أي عملية سياسية مستقبلية، باعتبارها جزءاً من الحل وليس مجرد متلقٍ للتعليمات.
خلاصة القول، يواجه بيكا هافيستو مهمة بالغة الصعوبة. فالأزمة السودانية لم تعد مجرد نزاع سياسي، بل تحولت إلى حرب وجودية مع أبعاد إقليمية ودولية معقدة. خبرته الواسعة هي بطاقة دخوله، لكنها ليست ضماناً للنجاح. التحدي الأكبر سيكون في قدرته على:
– الاستفادة من علاقاته: هل سيتمكن من تحويل علاقاته القديمة إلى أداة ضغط فعّالة على أطراف النزاع الحالية، التي تغيرت ولاءاتها وتحالفاتها كثيراً منذ عام 2007؟
– التوفيق بين الأطراف: كيف سيتعامل مع الانقسام العميق بين الجيش وقوات الدعم السريع، ومع حالة الاستقطاب الحاد بين القوى المدنية نفسها؟
– حشد الإرادة الدولية: نجاحه لا يعتمد عليه فقط، بل على الدعم السياسي والمادي الذي ستحشده له الدول الكبرى لفرض حل على الأرض.
في النهاية، يُعتبر تعيين هافيستو بمثابة شيك على بياض من المجتمع الدولي، لكن المشكلة السودانية تحتاج إلى أكثر من دبلوماسي مخضرم؛ إنها تحتاج إلى إرادة سياسية دولية حقيقية لوقف نزيف الدم، وإلى أطراف سودانية تؤمن بأن السلام هو الخيار الوحيد.

