رعب في أحشاء نظام العسكر وصنيعته البوليساريو: تقديم وثيقة للكونغرس الأمريكي تتضمن “قانون تصنيف جبهة البوليساريو كمنظمة إرهابية”
عبدالقادر كتـــرة
الوثيقة تتعلق فعلياً بمشروع القانون المرجعي H.R. 4119، الذي يحمل اسم “قانون تصنيف جبهة البوليساريو كمنظمة إرهابية” (Polisario Front Terrorist Designation Act)
تم تقديم هذا المشروع رسمياً في الكونغرس الأمريكي بتاريخ 24 يونيو 2025، وهو يحظى بدعم من الحزبين، حيث قاد المبادرة النائب الجمهوري “جو ويلسون” (Joe Wilson) إلى جانب النائب الديمقراطي “جيمي بانيتا” (Jimmy Panetta).
إلى جانب إلزام وزير الخارجية بتقديم تقرير شامل خلال 180 يوماً، تتضمن مسودة القانون المعطيات الدقيقة التالية التي يبني عليها الكونغرس حيثياته:
– التأطير الأيديولوجي والتشغيلي: يشير مشروع القانون صراحة إلى وجود تاريخ من الروابط الأيديولوجية والعملياتية بين البوليساريو وإيران (المصنفة أمريكياً كدولة راعية للإرهاب) يعود إلى عام 1980.
– التدريب والتسليح: يتضمن النص الاستناد إلى تقارير استخباراتية تفيد بوجود 3 ضباط من “حزب الله” اللبناني داخل مخيمات تندوف في عام 2018 للإشراف على تدريب العناصر المسلحة، مع الإشارة إلى أن الدعم الإيراني تطور من التدريب إلى توفير معدات عسكرية فتاكة.
– آلية العقوبات: يهدف القانون إلى تفعيل حزمة من العقوبات الصارمة بموجب قانون الهجرة والجنسية، وقانون “ماغنيتسكي” العالمي للمساءلة في مجال حقوق الإنسان، ضد قيادات الجبهة وكل جهة أجنبية يثبت تورطها في تمويلها أو تسليحها.
نظرة تحليلية جيوسياسية لأبعاد القرار تبرز أن
طرح هذا المشروع في أروقة واشنطن يتجاوز كونه مجرد مناورة تشريعية، ليعكس تحولاً استراتيجياً عميقاً في المقاربة الأمريكية لملفات شمال إفريقيا:
– إعادة تأطير النزاع (من الإقليمي إلى العالمي): يشكل هذا القانون نقطة تحول حاسمة؛ حيث يتم سحب ملف الصحراء من مربع “النزاعات الإقليمية الكلاسيكية” أو “تصفية الاستعمار” كما تروج له الجبهة، ليتم إدراجه ضمن “الحرب العالمية على الإرهاب” ومحاربة تمدد الوكلاء الإيرانيين. هذا التأطير يفرغ الجبهة من أي تعاطف يساري أو حقوقي في الغرب، ويضعها في خانة التهديد المباشر للأمن القومي الأمريكي.
– الضغط الهيكلي على الجزائر: إقحام اسم الجزائر كحاضنة (في منطقة تندوف) وميسّرة للعلاقات مع طهران وحزب الله يضع صانع القرار في قصر المرادية أمام معضلة خطيرة. إذا تم تمرير القانون، فإن أي دعم عسكري أو مالي تقدمه الجزائر للجبهة قد يعرضها لعقوبات ثانوية أمريكية (Secondary Sanctions)، ويهدد بعزلها دبلوماسياً واقتصادياً كدولة “ميسرة للإرهاب”، مما يقلص مساحة مناورتها الإقليمية بشكل جذري.
– الترابط مع أمن الساحل الإفريقي: لا يمكن فصل هذا التحرك عن حالة السيولة الأمنية وتنامي نفوذ الجماعات المتطرفة والمرتزقة (مثل فاغنر/الفيلق الإفريقي الروسي) في منطقة الساحل.
الولايات المتحدة تنظر بقلق بالغ إلى التقاطع بين الحركات الانفصالية وعصابات الجريمة العابرة للحدود والتنظيمات الإرهابية في الساحل. تصنيف البوليساريو يندرج ضمن مساعي واشنطن لتجفيف منابع عدم الاستقرار التي تهدد حلفاءها الاستراتيجيين وتأمين البوابة الغربية لإفريقيا.
من الناحية الإجرائية، لا يزال القانون في مرحلة التداول داخل “لجنة الشؤون الخارجية” و”اللجنة القضائية” بمجلس النواب ولم يصبح قانوناً نافذاً بعد. وعادة ما تأخذ هذه المشاريع مساراً معقداً قبل اعتمادها النهائي.
ومع ذلك، فإن مجرد صياغة هذا القانون وبرمجته يُعد انتصاراً كبيراً للدبلوماسية المغربية التي نجحت في تكييف خطابها مع الهواجس الأمنية الأمريكية العميقة. الرسالة السياسية من واشنطن واضحة: هامش التسامح مع الكيانات المسلحة التي تتقاطع مصالحها مع المحور (الإيراني-الروسي) آخذ في التآكل السريع.
بالنسبة لجبهة البوليساريو وداعميها، يمثل القرار تهديداً وجودياً لشرعيتها الدولية، إذ يضعها أمام خيارين أحلاهما مر: إما فك الارتباط التام والعلني مع أي حليف يصنفه الغرب كـ “مارق” (وهو ما يعني فقدان الدعم اللوجستي)، أو مواجهة العزلة الدولية والتصنيف كمنظمة إرهابية، مما سيعني النهاية الفعلية لأي مسار سياسي أو تفاوضي مستقبلي لصالح مقترح الحكم الذاتي.

