بين الحق في العلاج وتضارب المصالح: إلى متى يستمر هذا الوضع؟

بين الحق في العلاج وتضارب المصالح: إلى متى يستمر هذا الوضع؟

لا أحد يُنكر المجهودات الكبيرة التي تبذلها الدولة في تكوين الأطباء، سواء من حيث التمويل أو الإمكانيات أو سنوات التكوين الطويلة. كما أن اختيار العمل في الوظيفة العمومية أو في القطاع الخاص يظل، من حيث المبدأ، حقًا مشروعًا للطبيب يخضع لقناعاته واختياراته المهنية.

غير أن الإشكال الحقيقي يطرح عندما يتم تعيين الطبيب في قطاع الصحة العمومية، ويتقاضى أجورًا معتبرة — خصوصًا الأساتذة المتخصصين — ثم يُسجَّل غيابهم شبه الدائم عن المستشفيات العمومية، مقابل حضور مكثف في المصحات الخاصة. هنا لا يعود الأمر مجرد “اختيار مهني”، بل يتحول إلى مساس مباشر بحق المواطن في العلاج.

الأكثر خطورة من ذلك، أن بعض هؤلاء الأطباء — بدافع الجشع أو تضارب المصالح — يقومون بتوجيه المرضى من المستشفيات العمومية نحو المصحات الخاصة، حيث تُفرض عليهم تكاليف باهظة، في حين أن الدولة عيّنت هؤلاء الأطباء أساسًا لخدمة المواطنين، وضمان حقهم الدستوري في العلاج والتطبيب.

صحيح أن القانون الحالي يسمح للأطباء العاملين في القطاع العمومي بالاشتغال في القطاع الخاص ليومين في الأسبوع، غير أن الواقع الميداني يُظهر أن عدد المرضى الذين يُعالجون في المصحات الخاصة على يد هؤلاء الأطباء، مقارنة بحضورهم في المستشفيات العمومية، يثير أكثر من علامة استفهام. فكيف يُعقل أن يُموَّل الطبيب من المال العام، بينما تُسخَّر خبرته وجهده شبه الكامل لخدمة القطاع الخاص؟

إن استمرار هذا الوضع لا يثقل كاهل المواطن فقط، بل يُفرغ المستشفيات العمومية من كفاءاتها، ويُعمّق الفجوة بين من يملك القدرة على الدفع ومن لا يملكها. وهو ما يتعارض صراحة مع مبدأ العدالة الاجتماعية، ومع روح الدستور الذي يضمن الحق في العلاج للجميع دون تمييز.

إن معالجة هذا الخلل لم تعد ترفًا، بل ضرورة ملحّة، عبر تفعيل آليات الرقابة، وربط الأجر بالأداء الفعلي، وإعادة النظر في القوانين المنظمة للجمع بين القطاعين، حمايةً للمواطن، وصونًا لكرامة المهنة الطبية، وضمانًا لمصداقية المرفق العمومي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *