نظام العسكر الجزائري يمنع مناقشة أطروحة أرعبته وزلزلت عرشه موضوعها “الحركات الاجتماعية في منطقة القبائل”
عبدالقادر كتـــرة
رفع مجموعة من الأساتذة الجامعيين في الجزائر عريضة تطالب برفع الحظر المفروض على مناقشة أطروحة دكتوراه للباحث سمير لاربي في جامعة بجاية موضوعها “الحركات الاجتماعية في منطقة القبائل”، وهو موضوع حساس سياسياً.
كان عنوان الأطروحة المبدئي هو “الحركة الأمازيغية في القبائل: من مطالب الاندماج إلى النزعة الانفصالية”، ثم تم تعديله لاحقاً إلى “أشكال تنظيم الحركات الاجتماعية في منطقة القبائل” بناءً على طلب من الجامعة، وحصل على جميع الموافقات الأكاديمية (المشرف، القسم، المجلس العلمي).
ورغم استيفاء كل الشروط العلمية والقانونية، رفضت إدارة الجامعة (رئاسة الجامعة) الترخيص بإجراء المناقشة لمدة تزيد عن عامين، دون أسباب أكاديمية واضحة، وذلك بقرار إداري بحت.
اعتبرت هذه القضية خطيرة إذ ليست مجرد مشكلة إدارية لطالب دكتوراه، بل هي مؤشر على أزمة أعمق، حيث إنها اعتداء صارخ على الاستقلالية الأكاديمية، كما أن النظام الأساسي للجامعة الجزائرية يمنح السلطة الكاملة للمجالس العلمية (الهيئات المنتخبة من الأساتذة) في تقييم ومصادقة الأبحاث.
وتدخل الإدارة التنفيذية (العمادة أو الرئاسة) لإلغاء قرار علمي هو خرق للقانون الجامعي وتجاوز للصلاحيات، ويحول الجامعة من فضاء للمعرفة إلى جهاز بيروقراطي تابع.
من جهة، تسييس المعرفة ومنع التفكير النقدي: الموضوع (الحركات الاجتماعية في القبائل) يلامس أحد أكثر الملفات تعقيداً في التاريخ السياسي الجزائري الحديث. حظر مناقشته هو اعتراف ضمني بخوف السلطة من أي تحليل علمي وموضوعي لظواهر اجتماعية حقيقية. الرسالة هي: “هناك حدود لا يمكن للعلم تجاوزها، وهي حدود تفرضها الأجندة السياسية”.
ثم إن استمرار لسياسة فرض الرؤية الأحادية تجسده هذه الحادثة التي لا تأتي من فراغ، وهي حلقة في سلسلة طويلة تشمل،د ملاحقة الصحفيين (كما في حالة كريستوف غليز) الذين يبحثون في قضايا حساسة (كمقتل اللاعب ألبير إيبوسي)، وتكميم أفواه المثقفين والكتاب (كما أوضح بوعلم سنسال) عبر القضاء أو التضييق الإداري.
من جهة ثانية، منع النقاش العام حول قضايا الهوية والذاكرة والتاريخ تكريس رواية رسمية واحدة ومنع أي سرديات أو تحليلات منافسة، حتى لو كانت علمية.
المعركة الحقيقية هي معركة على العقل وقضية أطروحة دكتور سمير لاربي تتجاوز بكثير حقه الشخصي في الحصول على درجة علمية.
إن دراسة هذه الحركات هي في جوهرها دراسة لديناميات المطالبة بالحقوق (اللغوية، الثقافية، الاجتماعية)، وردود فعل الدولة عليها، وآليات التعبئة والتأطير. منع هذه الدراسة هو رفض لفهم معمق لجذور أحد أهم الاحتجاجات في الجزائر المعاصرة (الحراك في القبائل عام 2001 واحتجاجات 2019|2020).
تريد السلطة جامعات “هادئة” تنتج تقنيين وتكرر المعرفة الرسمية. بينما يريد جزء من الأكاديميين جامعات “حية” تكون مختبراً للتفكير النقدي والحري ومساهماً في حل إشكاليات المجتمع، حتى لو كانت مؤلمة. هذه العريضة تمثل محاولة من الأساتذة لاستعادة دور الجامعة الحقيقي.
خلاصة القول، إطلاق العريضة هو عمل تضامني جمعي نادر في مناخ الخوف. هو رسالة بأن قمع حرية البحث العلمي لم يعد أمراً يمكن السكوت عنه بصورة فردية، وأن الدفاع عن زميل هو دفاع عن مهنة الأستاذة ذاتها ومستقبل المعرفة في البلاد.
ومعركة مناقشة هذه الأطروحة هي معركة رمزية كبرى: انتصار الإدارة سيعني ترسخ سيطرة البيروقراطية السياسية على آخر معاقل النقاش العقلاني (الجامعة)، بينما انتصار الأساتذة، حتى لو كان معنوياً فقط، سيكون إعلاناً بأن العلم لا يعرف تابوهات، وأن محاولات حجب الحقائق التاريخية والاجتماعية محكومة بالفشل على المدى الطويل. القضية تضع نظام الحكم في الجزائر أمام اختبار حقيقي لمصداقية حديثه عن “الإصلاح” و”حرية التعبير”.

