ألمانيا للجزائر: زيارة الرئيس الجزائري مقيدة بالإفراج النهائي عن الكاتب “بوعلام صنصال”، الجزائر: سمعا وطاعة في أقل من 48 ساعة
عبدالقادر كتـــرة
كان نداءً عاماً بسيطاً من الرئيس الألماني “فرانك-فالتر شتاينماير” إلى نظيره الجزائري عبد المجيد تبون كافياً لإحداث تحول دبلوماسي كبير. بعد 48 ساعة من هذا الاتصال، أعلن تبون الإفراج عن الكاتب الجزائري-الفرنسي “بوعلام صنصال”، المحكوم عليه في الجزائر بخمس سنوات سجن نافذة، ونقله إلى ألمانيا لتلقي العلاج المناسب.
وراء هذه الصفقة الدبلوماسية تكمن خارطة طريق سرية للنظام تبون، تقوم بالكامل على الزيارة الرسمية القادمة التي يسعى الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى القيام بها إلى برلين منذ ما يقرب عام.
لكن هذه الزيارة كانت تظل مقيدة ومجمدة من قبل ألمانيا دون الإفراج النهائي عن بوعلام صنصال ولو على حساب “السيادة” الجزائرية التي لا طالما تغنى بها النظام العسكري الجزائري.
مثل الإفراج عن صنصال انتصاراً للدبلوماسية المباشرة والحوار السياسي والصرامة على مستوى الرؤساء، ولم تكن هناك حاجة لحملات إعلامية ضخمة، بل اتصال هاتفي مباشر حقق النتيجة، حيث كان الرد الجزائري بالإمتثال “سمعا وطاعة وفي أقل من 48 ساعة” وأكثر حيث اخترقت طائرة عسكرية ألمانية أجواء الجزائر ونقلت بوعلام صنصال معززا مكرما إلى ألمانيا.
وأُظهر الحدث نفوذ ألمانيا المتنامي كوسيط وفاعل دبلوماسي في المنطقة، مستفيدة من علاقاتها التاريخية مع الجزائر ووزنها وتأثيرها وثقلها الاقتصادي والسياسي في الاتحاد الأوروبي.
تمثل زيارة الرئيس الجزائري لبرلين أولوية قصوى بحكم أن ألمانيا هي الشريك الاقتصادي والتجاري الأكبر للجزائر في الاتحاد الأوروبي.
الزيارة تهدف إلى تعزيز التعاون الاقتصادي والطاقة، خاصة في ظل البحث الأوروبي عن بدائل لإمدادات الطاقة الروسية، حيث تُعد الجزائر مورداً مهماً للغاز.
كما تمثل الشراكة في ملفات الأمن والهجرة حيث تحتاج الجزائر إلى دعم أوروبي في مراقبة حدودها ومكافحة الإرهاب.
من جهة، تعزز الزيارة الرسمية لبرلين مكانة النظام الجزائري على الساحة الدولية وتضفي شرعية على سياساته الداخلية.
لكن كان لألمانيا شروط مهمة وثقيلة حيث
ربطت بشكل واضح بين الزيارة وقضية حقوق الإنسان (قضية صنصال).
وهذا يبرز أن حقوق الإنسان عنصر ثابت في السياسة الخارجية الألمانية حتى في علاقاتها مع شركاء استراتيجيين، والرغبة في تحسين صورة ألمانيا كمدافعة عن الحريات في منطقة المتوسط. وتحقيق مكاسب دبلوماسية ملموسة بقرار إنساني، مما يعزز مكانتها الأخلاقية والسياسية.
من جهة النظام العسكري الجزائري، سرعة الاستجابة الجزائرية (48 ساعة) تشير إلى رغبة جزائرية شديدة في إزالة العقبة الأخيرة أمام الزيارة وأن ملف صنصال كان “معلقاً” وجاهزاً للحل بمجرد وجود الإرادة السياسية من الطرفين.
تكتيك ذكي من الطرفين، حيث حققت ألمانيا هدفها دون تصعيد، وحصلت الجزائر على ما تريد بطريقة تحافظ على ماء الوجه عبر “النقل للعلاج”.
من جهة أخرى، بوعلام صنصال روائي وكاتب جزائري معروف بكتاباته الناقدة بشدة للأنظمة الحاكمة في الجزائر والعالم العربي، والتصدي للتعصب الديني.
حكم عليه غيابياً في دجنبر 2021 بخمس سنوات سجن بتهمتي “المس بالأمن الوطني” و”الإساءة إلى هيئات الدولة” بسبب منشورات على فيسبوك انتقد فيها النظام.
وكان وجوده رهن الإقامة الجبرية في منزله بالجزائر العاصمة، وكانت صحته متدهورة.
وتشهد العلاقات بين البلدين ديناميكية جديدة. ألمانيا تتطلع إلى زيادة وارداتها من الغاز الجزائري، بينما تسعى الجزائر لجذب الاستثمارات والتكنولوجيا الألمانية لتنويع اقتصادها.
خلاصة القول، كانت قضية بوعلام صنصال هي العقبة الرئيسية الأخيرة في طريق تطبيع كامل للعلاقات على أعلى مستوى بين الجزائر وألمانيا.
الاستجابة السريعة للرئيس تبون لنداء نظيره الألماني تُظهر الأهمية الاستراتيجية التي تعلقها الجزائر على هذه العلاقة، بينما أكدت ألمانيا على أولوية حقوق الإنسان في سياستها الخارجية، وإن كانت بشكل مرن يسمح بإبرام الصفقات الدبلوماسية.

