هيبة القضاء بين الحق في التعبير وحدود الاتهام
طلع علينا مؤخرًا فيديو لسيدة تدّعي فيه تعرّض والدها الذي فصل القضاء في الاتهامات الموجهة إليه ل ” ظلم “، وهو ما رأى فيه العديد من المراقبين مسّ بهيبة القضاء ووقاره بشكل مباشر. الفيديو، الذي بدا في ظاهره صرخةً إنسانية، حمل في طياته اتهامات غير مدعومة بأي سند قانوني أو واقعي، بل جاءت في سياق انفعالي يفتقر إلى التوازن، ويهدد في جوهره أحد أعمدة الدولة: سلطة القضاء.
إن ما يثير القلق ليس فقط مضمون الفيديو، بل الطريقة التي تم بها ترويجه، وكأننا أمام حملة منظمة تهدف إلى التشكيك في مؤسسات العدالة، وإثارة الرأي العام دون احترام للمساطر القانونية أو للحقائق الثابتة. فالسيدة التي ظهرت في المقطع، ورغم نبرتها الوجدانية، لم توضح طبيعة الظلم الذي تدّعيه، ولم تقدّم أي دليل ملموس على ما تقول، بل اكتفت بإطلاق الاتهامات في الهواء، متناسية أن والدها كان محل متابعات قضائية متعددة، وأنه متورط في ملفات أضرت بالغير، وأن القضاء، بكل درجاته، من ابتدائي إلى استئنافي، مرّ على قضيته وبتّ فيها وفقًا للقانون، بعد تحقيقات دقيقة أجرتها الشرطة القضائية.
إن خطورة هذا النوع من الخطاب تكمن في أنه يفتح الباب أمام الفوضى، ويشجع على تحويل المنصات الرقمية إلى ساحات محاكمة موازية، حيث تُطلق الأحكام دون أدلة، وتُشهر الاتهامات دون ضوابط، ويُستباح فيها شرف المؤسسات، وعلى رأسها القضاء. فهل يُعقل أن كل من صدر في حقه حكم قضائي، يخرج إلى العلن بفيديو يتهم فيه القضاء، ويشكك في العدالة، ويطالب بإعادة النظر في ما تم البت فيه؟ إذا فتحنا هذا الباب، فلن يبقى للقانون معنى، ولن يبقى للمؤسسات وزن، وسنجد أنفسنا في دوامة من العبث، حيث يُصبح كل شيء قابلًا للتشكيك، وكل حكم عرضةً للتأويل، وكل قرار محلًّا للاتهام.
إن القضاء ليس معصومًا، لكنه محصّن بمساطر دقيقة، وبدرجات متعددة من التقاضي، وبآليات للمراجعة والطعن. ومن يملك دليلًا على ظلمٍ تعرّض له، فليتوجه إلى الجهات المختصة، وليسلك المسار القانوني، وليعرض قضيته أمام من يملك سلطة البتّ فيها. أما أن يُختزل كل ذلك في فيديو انفعالي، يُبثّ على منصات التواصل، ويُروّج له كأنه حقيقة مطلقة، فذلك ضربٌ من التهور، ومساسٌ خطيرٌ بثقة المواطن في مؤسسات بلاده.
لقد أثار هذا الفيديو موجةً من التعليقات، بعضها طالب السيد الوكيل العام للملك بوجدة بفتح تحقيق في ادعاءات السيدة، وهو مطلب مشروع إن كان الهدف منه التحقق من الوقائع، لا الانجرار وراء العاطفة. لكن في المقابل، عبّر كثيرون عن قلقهم من خطورة هذا المسّ العلني بالقضاء، ومن تداعياته على الاستقرار المؤسساتي، وعلى صورة العدالة في أعين المواطنين. فالقضاء ليس فقط سلطةً للفصل في النزاعات بل هو رمز للانصاف وركيزة للثقة وعمود من اعمدة الدولة الحديثة .

