تصويت الجزائر لصالح “قرار نيويورك”: اعتراف بإسرائيل وتنكر لحماس وارتفاع في التبادل التجاري مع إسرائيل وإقبار شعار “مع فلسطين ظالمة أو مظلومة”
عبدالقادر كتــرة
يشهد الموقف الجزائري من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي تحولات ملحوظة في الآونة الأخيرة، خاصة بعد تصويت الجزائر لصالح “إعلان نيويورك” في الجمعية العامة للأمم المتحدة.
هذا القرار يدعم حل الدولتين ويشترط نزع سلاح حركة حماس، ويفضح الموقف الجزائري الذي يتسم بالتناقضات الظاهرة في السياسة الجزائرية، مع الأخذ بعين الاعتبار الجوانب الدبلوماسية والاقتصادية والإقليمية.
إعلان نيويورك، الذي تبنته الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية 142 دولة، يؤكد على حل الدولتين ضمن حدود 1967، ويدين هجمات حماس على إسرائيل ويطالبها بالإفراج عن الرهائن ونزع السلاح .
هذا الإعلان يمثل خطوة دولية كبيرة نحو إضفاء الشرعية على حل الدولتين.
أولا، تصويت الجزائر لصالح هذا القرار يعكس اعترافًا ضمنيًا بشرعية وجود إسرائيل كدولة إلى جانب فلسطين، على حدود 1967، بما في ذلك الضفة الغربية والقدس الشرقية وغزة . هذا يتناقض مع الخطاب الرسمي الداخلي الجزائري الذي يرفض الاعتراف بإسرائيل ويؤكد على التضامن مع الفلسطينيين دون شروط.
ويُظهر التصويت الجزائري براغماتية في السياسة الخارجية، حيث تتعامل الجزائر مع الواقع الدولي والمصالح الإقليمية، بينما تحافظ على خطاب داخلي متشدد لاسترضاء الرأي العام المحلي الذي يتسم بتأييد قوي للقضية الفلسطينية .
ثانيا، الإعلان يدين هجمات حماس على المدنيين الإسرائيليين في 7 أكتوبر 2023، ويطالبها بالإفراج الفوري عن جميع الرهائن ونزع السلاح وتسليم السيطرة على غزة للسلطة الفلسطينية .
هذا يعني أن تصويت الجزائر لصالح الإعلان هو موافقة على إقصاء حماس من الحكم في غزة.
تاريخيا، دعمت الجزائر حركة حماس كجزء من مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، وكانت تستضيف بعض قادتها أو تؤيدهم دبلوماسيًا .
ومع ذلك، فإن التصويت على الإعلان يضع الجزائر في موقف متناقض، حيث يوحي بدعمها لجهود دولية تهدف إلى عزل حماس .
هناك لتباين في المعاملة ونفاق سياسي وكوقف متناقض للجزائر حيي وتبالغ وتكثر من “الصراخ ضد إسرائيل” بينما “تتجاهل حماس” .
فمن ناحية، تنتقد الجزائر إسرائيل بشدة، ومن ناحية أخرى، تصوت لقرار يدين حماس ويطالب بنزع سلاحها. وهذا الموقف يعكس محاولة الجزائر تحقيق توازن بين المبادئ السياسية والواقعية الدبلوماسية.
ثالثا، رغم الخطاب السياسي الرافض للتطبيع مع إسرائيل، والذي تتبناه الجزائر علناً، تظهر البيانات والتقارير الدولية وجود علاقات تعاون اقتصادية وتجارية متنامية بين البلدين.
هذا التناقض يثير تساؤلات حول طبيعة هذه العلاقات والدوافع الكامنة وراء استمرارها رغم المواقف السياسية المعلنة.
حسب أرقام ومعطيات التجارة بين الجزائر وإسرائيل تبرز تطور حجم التبادل التجاري إذ بلغت ققيمة الصادرات الجزائرية إلى إسرائيل
عام 2017 أكثر من 30.5 مليون دولار، وكانت صادرات الهيدروجين تحتل الصدارة. وفي عام 2020، ارتفعت الصادرات إلى 9.77 مليون دولار، وقفزت عام 2021. إلى 14.9 مليون دولار. ووصلت عام 2022 إلى 21.4 مليون دولار، متجاوزة بذلك الصادرات المغربية إلى إسرائيل والتي بلغت 10.2 مليون دولار فقط .
وتحتل الجزائر المرتبة الرابعة عربياً في قائمة المصدرين إلى إسرائيل، بعد الإمارات والأردن ومصر، وذلك حسب بيانات عام 2022.
التناقضات في الموقف الجزائري قد تجد تفسيرها في كون الجزائر قد تكون تحت ضغط من القوى الدولية مثل فرنسا والسعودية، اللتين قادتا مبادرة الإعلان، لتأييد حل الدولتين.
قد تكون الجزائر قد استوعبت أن دعم الإعلان يحقق مصلحة وطنية، مثل تحسين صورتها الدولية أو تجنب العزلة الدبلوماسية، خاصة في ظل الدور المتزايد للسعودية وفرنسا في ملف التسوية.
من جهة أخرى، يرجع هذا التناقض بين الخطاب والدعم الفعلي حيث تستمر الجزائر في خطابها المعادي لإسرائيل لدعم الشرعية الشعبية والحفاظ على الوحدة الوطنية حول القضية الفلسطينية.
والتصويت لصالح إعلان نيويورك يظهر أن الجزائر قد تتبنى مواقف أكثر براغماتية في المحافل الدولية، مما قد يتضمن قبولًا ضمنيًا بواقع إسرائيل كدولة.
من جهة ثانية، هناك تقارير تشير إلى أن الجزائر قد تكون واحدة من الدول المرشحة لاستضافة قادة حماس في حال مغادرتهم قطر، مما يعكس استمرار الدعم الجزائري للحركة على الأرض رغم التصويت على الإعلان .
خلاصة القول، الموقف الجزائري من إسرائيل وحماس يظهر تناقضًا ظاهريًا بين الخطاب الداخلي المتشدد والسياسة الخارجية الأكثر براغماتية.
هذا التناقض نبع من الضغوط الداخلية والخارجية: الرأي العام الجزائري يدعم بقوة الفلسطينيين ويعارض التطبيع مع إسرائيل، بينما تدفع المتغيرات الدولية الجزائر نحو تبني مواقف أكثر واقعية.
من جهة أخرى، التكيف مع المتغيرات الإقليمية والدور المتزايد للسعودية وفرنسا في عملية التسوية، قد يدفع الجزائر إلى تعديل سياستها لتجنب العزلة أو لعب دور مؤثر.

