حرب الرمال: حينما نقضت الجزائر وعدها اتجاه المغرب

حرب الرمال: حينما نقضت الجزائر وعدها اتجاه المغرب

لم تحفظ قيادة الثورة الجزائرية للمغاربة حقهم ولم تقدر حجم التضحيات والمساندة اللتان قدمها لجيش التحرير المغربي من مال وعتاد ورجال للثورة الجزائرية

فحين أرادت المملكة المغربية إسترجاع الصحراء الشرقية بما فيها منطقتي تندوف وكولوم بشار، كحق تاريخي ومطلب شرعي اعتبرت البورجوازية الصغيرة للقيادة الجزائرية لمرحلة بن بلة، أن مطلب المغرب دافعه توسعي ومن شأنه أن يعيد تاريخ أمجاد الإمبراطورية المغربية وهو ما دفع بقوى أجنبية  تناغمت مصالحها مع مصالح البورجوازية الجزائرية وإقناعها بعرقلة ملف التسوية.

كان بإمكان الراحل محمد الخامس أن يحسم الأمر وهو الذي عرضت عليه فرنسا سنة 1957 استعادة حدوده وإعادة ترسيمها طبقا للمعطيات التاريخية والجغرافية بشرط أن تؤسس فرنسا “المنظمة المشتركة للمناطق الصحراوية”  التي تقوم باستغلال الموارد المنجمية التي تزخر بها الصحراء، وهو ما رفضه الراحل محمد الخامس الذي أكد أن مشكلة الحدود سيتم حلها مع الجزائر عشية حصولها على الإستقلال، إذ تم توقيع إتـفاق مع فرحات عباس رئيس الحكومة المؤقتة الجزائرية  بتاريخ 6 يوليوز 1961 بمدينة الرباط، حيث تم إقرار وجود مشكل حدودي بين المغرب والجزائر بسبب نزوح الثورة الجزائرية واحتضانها بالتراب المغربي وخاصة بالمنطقة الشرقية التي كانت ملاذا لرجال الثورة الجزائرية، بالإضافة إلى ما تركته فرنسا المحتلة من غموض.

لم تحفظ الثورة الجزائرية للمغرب حقه، وهو الذي مدها بالثوار والسلاح والعتاد وفتح حدوده لاحتضان الهاربين من جيش التحرير الجزائري.

فبمجرد أن حصلت الجزائر على استقلالها سنة 1962 اتخد  الراحل أحمد بن بلة قرارا يعلن فيه بأنه لامفاوضات مع المغرب حول ترسيم الحدود، وهو ما ورثته جبهة التحرير الجزائرية الحاكمة في تراجع غير مسبوق عن مضامين إتـفاق الرباط.

والحقيقة أن الإستعمار الفرنسي لعب دورا كبيرا في نشوب هذا الصراع بحيث أنه قام بضم منطقتي تندوف وكولوم بشار وجزء مهم من الصحراء الشرقية المغربية للتراب الجزائري بعدما تم اكتشاف معادن من الحديد و المنغنيز وذلك سنة  1950، حيث كانت فرنسا تعتقد بأن الجزائر صارت مقاطعة فرنسية، وهو ما قوى أطماع السلطة الجزائرية في السطو على أجزاء من التراب المغربي بعد حصولها على الإستقلال.

بعد وفاة الراحل محمد الخامس وتولي الملك الحسن الثاني الحكم قام رحمه الله بزيارة أخوية للجزائر وذلك بتاريخ 13 مارس 1963، واغتنم فرصة لقاء الرئيس الراحل أحمد بن بلة ليذكره بمضامين الإتفاق الموقع مع الحكومة الجزائرية المؤقتة على عهد فرحات عباس بشأن وضع الحدود بين البلدين الذي خلقه الاستعمار الفرنسي، فكان رد الرئيس  بن بلة أن يتم تأجيل مناقشة الأمر إلى حين استكمال بناء مؤسسات الدولة الجزائرية الحديثة.

لكن ما أن أخلف الراحل بن بلة ورفاقه وعدهم ولم يحترموا إتفاق الرباط القاضي بضرورة إعادة ترسيم الحدود التاريخية بين البلدين بسبب تدخل الإستعمار الفرنسي، حتى اختلطت الأوراق بالمنطقة ومعها دقت طبول الحرب بين الجانبين لاسيما و أن الجزائر المستقلة إختارت المعسكر الشرقي الذي كان يهدف إحداث إنقلابات على كل الأنظمة ونشر الإيديولوجية السوفياتية أنداك.

بعد عودة الملك الحسن الثاني من زيارته للجزائر شن الإعلام الجزائري حملة مسعورة على المغرب، بدعم من القيادات العربية المنضوية تحت جناح المعسكر الإشتراكي.

هكذا اعتبرت الجزائر مطالب المغرب بترسيم الحدود وتجاوز ما مزقه الإستعمار الفرنسي، مطالب بأطماع توسعية في المنطقة، فيما رأى المغرب في الاتهامات الجزائرية المدعومة إعلاميا من طرف التوجه القومي العربي وخاصة مصر جمال عبد الناصر، توجه جديد يهدد أمنه واستقراره وتطلعه لبناء دولة مستقلة وحديثة تحتفظ بموروثها التاريخي ومقدسات الأمة المغربية.

كانت زعامة الراحل جمال عبد الناصر والتحالف السوفياتي  يبحثان عن امتداد لهما في شمال إفريقيا، وكان دعاة القومية العربية المؤمنين بالفكر الإشتراكي للتخلص من الإمبرالية الكولونيالية يصنفون الأنظمة الملكية العربية كأنظمة رجعية ويساندون ولو ظلما  الحركات الثورية أو بدعم إنفصالييها وهو ما حدث بالفعل بالصحراء المغربية.

هكذا ستشن عناصر من القوات الجزائرية يوم 8 أكتوبر 1963 هجوما على منطقة حاسي بيضا حيث قتل فيه عشرة عناصر من الجيش المغربي الموجود بالمركز العسكري للمنطقة، فسارع المغرب إلى إرسال أكثر من وفد رسمي إلى الرئيس الجزائري بن بلة للاحتجاج على الهجوم المفاجئ لكن تعنت السلطة الجزائرية التي كانت تعتقد أنها بإضعاف المغرب سيمكنها من  قيادة منطقة شمال إفريقيا وإحلال الأنظمة الإشتراكية والشيوعية ولو على حساب حقوق المملكة ومشروعيتها التاريخية في إعادة ترسيم حدودها.

دخل حكام الجزائر مرحلة أخرى وذلك بتجييش سكان منطقتي تندوف وبشار وتسجيلهم للمطالبة بالجنسية الجزائرية، مع تحريك بعض سكان الصحراء برفع شعار الإستقلال عن فرنسا واعتبار انفسهم سكان صحراويين لابد لهم من دولة لتنطلق معركة الجيوش وتدق طبول الحرب، لتندلع الحرب فعليا في أكتوبر 1963، ردا على هجوم حاسي بيضا وإستفزازات الجزائر وتحريض سكان الصحراء الشرقية وخلق بؤرة بالصحراء الجنوبية.

لم يكتب النجاح لقمة وجدة التي جمعت كل من وزيري خارجية البلدين أحمد رضا كديرة وعبد العزيز بوتفليقة، ولم يتوصلا إلى تنظيم قمة بين الملك الراحل الحسن الثاني والرئيس بن بلة، لحل مشكلة النزاع على الأراضي لكن القمة لن يكتب لها النجاح،  نفس المآل عرفته مبادرة الراحل عبد الهادي بوطالب، وزير الإعلام، الذي توجه إلى الجزائر لكن مهمتة باءت بالفشل.

في معمعة هذه الحرب المفتعلة بين الأشقاء تلقّت الجزائر دعماً عسكرياً من الاتحاد السوفياتي وكوبا ومصر عبد الناصر، بينما تلقى المغرب مساعدة من فرنسا رغم أن لها يد فيما جرى وكذا دعم الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما فرضته ضرورات الحرب الباردة.

انتصرت العزيمة المغربية التي كانت متسلحة بحقها التاريخي والجغرافي وبفعل التطور السريع الذي عرفه الجيش المغربي المتمكن من السلاح والعتاد وجرت الجزائر وراءها خسارة كبيرة، ولولا حكمة الحسن الثاني رحمه الله وتمتعه بالحنكة واعتبار المغرب دولة ضاربة جذورها في التاريخ لحول الجيش المغربي الجزائر إلى رماد، ولعل قصة صلاة الجمعة بأحد مساجد الجزائر العاصمة التي كان يهيء لها الجيش المغربي للراحل الحسن الثاني خير دليل.

خسارة هزت كبرياء الحكام الجزائريين وحلفاءهم، وتحولت إلى عقدة تاريخية من المغرب جعلتهم يتسلحون بالحقد والعداوة والكراهية للمملكة المغربية بخلق ودعم مرتزقة البوليساريو حتى ينسى المغرب الصحراء الشرقية ويشتت تفكيره ويوجه أنظاره للصحراء الجنوبية.

بعد مفاوضات توسطت خلالها منظمة الوحدة الأفريقية والجامعة العربية بين المغرب والجزائر تم الإتفاق على ما يلي: 

توقيع اتفاق وقف لإطلاق النار في 20 فبراير. 

تحديد منطقة منزوعة السلاح.

تعيين مراقبين من الدولتين لضمان حياة وسلام في هذه المنطقة.

تشكيل لجنة تحكيم لتحديد المسؤولية حول من بدأ العمليات الحربية بين البلدين

دراسة مشكلة الحدود بين الطرفين وتقديم مقترحات إيجابية لهما.

إنها أكبر خيانة تعرض لها المغرب من قبل الجزائر وهي أعظم نقض للوعد الذي سيبقى وصمة عار على جبين من ورث الثورة الجزائرية التي لازال يحفظ التاريخ مدى الدور الكبير الذي لعبه الراحل محمد الخامس وجيش التحرير المغربي في صنع الاستقلال الجزائري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.