صَدِّقْ أَوْ لَا تُصَدِّقْ: عِنْدَمَا تَصْبَحُ السَّفَارَاتُ مَقَابِرَ لِأَبْنَائِهَا: قِصَّةُ الدِّبْلُومَاسِيَّةِ الْجَزَائِرِيَّةِ التَّائِهَةِ وَالمُتَشَرِّدَةٍ فِي شَوَارِعِ الْمَكْسِيكِ…شَهَادَاتٌ عُلْيَا وَلُغَاتٌ خَمْسٌ تُقَابَلُ بِالْجُحُودِ وَالنَّفْيِ اَلْقَسْرِيِّ

صَدِّقْ أَوْ لَا تُصَدِّقْ: عِنْدَمَا تَصْبَحُ السَّفَارَاتُ مَقَابِرَ لِأَبْنَائِهَا: قِصَّةُ الدِّبْلُومَاسِيَّةِ الْجَزَائِرِيَّةِ التَّائِهَةِ وَالمُتَشَرِّدَةٍ فِي شَوَارِعِ الْمَكْسِيكِ…شَهَادَاتٌ عُلْيَا وَلُغَاتٌ خَمْسٌ تُقَابَلُ بِالْجُحُودِ وَالنَّفْيِ اَلْقَسْرِيِّ

عبدالقادر كتـــرة

في عالم مفترض يفترض أن تكون فيه الدولة الحصن الأخير والأمان المطلق لكل مواطن، ودرع الحماية الأول لكل من يحمل صفتها الدبلوماسية الرسمية، تبرز بين الحين والآخر قصص واقعية صادمة تعصف بكل الشعارات الرنانة والبروباغندا الرسمية.

ولعل القضية المدوية التي تفجرت مؤخراً حول الدبلوماسية الجزائرية السابقة العالقة والمشردة في شوارع المكسيك، تقدم نموذجاً صارخاً لحالة غير مسبوقة من التخلي المنهجي والجفاء الإداري الذي يمارسه النظام الجزائري تجاه أبنائه، حتى ممن كانوا يمثلون سيادة الدولة في الخارج.

من قاعات بكين إلى أرصفة المكسيك: قصة طموح اغتالته البيروقراطية

لا تنفصل مأساة هذه المواطنة والدبلوماسية السابقة عن السياق المأساوي العام للرعايا الجزائريين في الداخل والخارج.

فهي لم تكن شخصية عادية، بل امرأة نذرت نصف عمرها للعلم والمعرفة، فحصلت على ثلاثة شهادات بكالوريا، وثلاثة شهادات لسانس، وماستر في العلاقات الدولية من أعرق جامعات الصين (بكين)، وأتقنت خمس لغات حية من بينها الصينية. غير أن هذا الرصيد العلمي الهائل والمسار الأكاديمي المشرف تحطما على صخرة التعنت البيروقراطي واللامبالاة المؤسساتية.

فعندما تُبعث موظفة في وزارة الشؤون الخارجية للعمل الدبلوماسي في سفارة بلادها بالمكسيك، وتمرض أثناء أداء مهامها الرسمية، يصبح البديل الإنساني المفترض هو الرعاية والعلاج وتسهيل العودة. لكن ما حدث كان العكس تماماً؛ إذ تفاجأت بسحب جواز سفرها الدبلوماسي، والتخلي عنها بشكل كامل، والمماطلة لسنوات طويلة دون منحها حتى جواز سفر عادي يسمح لها بمغادرة الأراضي المكسيكية والنجاة بحياتها.

الدولة التي تتخلى عن أبنائها: تساؤلات مشروعة حول مصير الدبلوماسية

إن هذه الحالة الإنسانية العجيبة والغريبة تضع الأسئلة الكبرى حول طبيعة النظام السياسي والإداري في الجزائر:

– كيف لوزارة خارجية أن تتنصل من موظفة رسمية أُرسلت باسم الدولة؟

– كيف تتحول البعثات الدبلوماسية من أدوات لحماية المواطن ورعايته إلى سجون ومقابر جماعية للحقوق والوثائق؟

لقد اضطرت هذه المواطنة – اليتيمة التي فقدت أباها وهي في عامها الخامس وأمها الأمية – إلى الاستدانة ومراسلة أعلى الهيئات في البلاد، بما في ذلك رئاسة الجمهورية ووزارة الخارجية عبر القنوات الرسمية والخاصة، متنازلة كتابياً عن وثائقها الدبلوماسية علّها تحظى بنظرة عطف تسعفها للعودة إلى وطنها.

ورغم كل ذلك، قوبلت صرخاتها بصمت مطبق، لتجد نفسها في نهاية المطاف عرضة للتشرد، بل وللاعتداءات الجسدي في شوارع المكسيك، في صورة تلخص مدى انعدام الأمان وفقدان أبسط مقومات الإنسانية.

تداعيات الفضيحة على الداخل الجزائري وخارجه

لا شك أن هذه النازلة ليست مجرد “حالة فردية معزولة”، بل هي مرآة عاكسة لتداعيات أعمق وأخطر تعاني منها المنظومة السياسية الحاكمة في الجزائر:

1- أزمة الثقة العميقة: تكشف هذه الفضيحة للشعب الجزائري في الداخل والخارج عن الهوة السحيقة بين الوعود الوهمية لشعارات “القوة الضاربة” وبين الواقع المرير الذي يعكس رعاية منعدمة وحماية غائبة.

2- انهيار منظومة القيم الإدارية: عندما يصبح الموظف السام والدبلوماسي عرضة للتشرد والضياع خارج الحدود لمجرد مرضه أو تعثره، فهذا يعني أن منظومة اتخاذ القرار باتت مسلوبة الروح والضمير، ولا تهتم سوى بحماية مصالح رموز الضيق والفساد.

3- تأجيج المطالب الشعبية بالتغيير: إن مشاهد المعاناة اليومية للجزائريين في المهجر، تضاف إلى أزمات الداخل الخانقة (أزمة المواد الأساسية من زيت وبطاطا وحليب وغاز)، لتعزز القناعة الشعبية الراسخة بأن استمرار النظام العسكري لا يجر على البلاد سوى الخراب والدمار والمهانة الدولية.

ختاما، إن قضية الدبلوماسية المشردة في المكسيك يجب أن تكون جرس إنذار لكل ضمير حي ولكل متابع للشأن المغاربي والإقليمي. فهي تفضح بوضوح عجز نظام يفشل حتى في حماية كرامة موظفيه الرسميين خارج الحدود. وأمام هذه الحالة الإنسانية الصادمة، يبقى السؤال المفتوح موجهًا لكل أحرار الجزائر والعالم: كيف يمكن لدولة تفرط في بناتها وأبنائها بهذا الشكل المهين أن تدعي الدفاع عن قضايا الشعوب، بينما تترك مواطنيها عرضة للضياع والتشرد في أصقاع الأرض؟

فيديو  للمشاهدة

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *