الإستباق بدل رد الفعل.. قراءة في تطور العقيدة الأمنية بجهة الشرق بين أكتوبر 2025 وأكتوبر 2026

الإستباق بدل رد الفعل.. قراءة في تطور العقيدة الأمنية بجهة الشرق بين أكتوبر 2025 وأكتوبر 2026

تكشف المقارنة بين الحصيلة الأمنية للأسبوع الأخير من أكتوبر 2025 ونظيره من 2026 بجهة الشرق، عن مفارقة لافتة: نفس التوقيت الزمني الذي يعتبر ذروة للنشاط الإجرامي الحدودي، لكن بملامح إجرامية مختلفة كليا، ورد أمني أكثر تطورا، يعكس قوة وفعالية التنسيق بين الأمن الوطني والدرك الملكي والقوات المساعدة والجمارك وباقي الأجهزة.

ع.ر.ب

أكتوبر 2025: عام التزوير الورقي وشبكات الهجرة

كان المشهد الإجرامي بجهة الشرق خلال الأسبوع الأخير من أكتوبر 2025، يختزل في جريمة واحدة مهيمنة: التزوير المنظم المرتبط بالهجرة غير الشرعية.

كانت أبرز العمليات حينها يوم 12 أكتوبر 2025، عندما أطاحت عناصر الشرطة بولاية أمن وجدة، بتعاون مع المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، بشبكة تضم 8 أفراد تتراوح أعمارهم بين 21 و55 سنة، بينهم امرأة وشخص من ذوي السوابق، يشتبه في تورطهم في تزوير محررات ووثائق رسمية واستغلالها في تنظيم الهجرة السرية والإتجار بالبشر. وكشفت التحقيقات أن الشبكة كانت تصنع وثائق مزورة منسوبة لشركات وإدارات لفائدة مرشحين للهجرة.

وسجلت بالتوازي منطقة سلوان بالناظور يوم 6 أكتوبر 2025 تدخلا للدرك الملكي أسفر عن توقيف فتيات ينشطن في ترويج الكوكايين.

كانت الصورة العامة لجرائم 2025، جريمة متمركزة في وجدة، ذات طبيعة حضرية، وأدواتها تقليدية تعتمد الورق والختم المزور.

أكتوبر 2026: الجريمة تخرج من المدينة وتتسلح بالتكنولوجيا

تغيرت الخريطة بعد عام واحدة فقط، حصيلة الأسبوع الأخير من أكتوبر 2026 تظهر ثلاثة تحولات كبرى:

■ انحسار الشبكات في وجدة..

لم تختف جريمة التزوير، لكنها انكمشت. وأوقفت المصلحة الولائية للشرطة القضائية بوجدة هذا الأسبوع 6 أشخاص بينهم سيدتان، يشتبه في انتمائهم لشبكة لتزوير ملفات تأشيرات “شينغن”. والإنتقال من 8 موقوفين في 2025 إلى 6 في 2026 ليس مجرد رقم، بل مؤشر على نجاح الضربات السابقة في تقليص البنية البشرية للشبكات ومحاصرتها.

■ الشريط الحدودي: دخول الدرون على الخط.

هذا هو المتغير الأخطر الذي لم يكن موجودا في 2025. وتحول الشريط الحدودي لبني درار وأهل أنجاد إلى مسرح لمحاولات تهريب دولي عبر الطائرات المسيرة.

■ الدرك الملكي أحبط عدة عمليات.

حجز 14 كلغ من المخدرات بدوار أولاد حمو جماعة بني خالد، وحجز 40 كلغ من الشيرا إضافة إلى 4 طائرات درون ببني درار، وحجز سيارة وكمية مهمة من المخدرات وطائرتين مسيرتين بأهل أنجاد. هذا النمط الجديد فرض تعبئة القيادة الجهوية للدرك الملكي.

■ الناظور وإقليم الدريوش، ملاحقة الرؤوس الكبيرة.

بينما كانت عمليات 2025 محدودة الأثر، حمل أسبوع 2026 ضربات نوعية ضد مبحوث عنهم مصنفين خطرين، وتم في العروي توقيف شخصين وحجز 4 سيارات من بينها مرسيدس، وكميات متنوعة من الشيرا والكيف والكوكايين وأسلحة. وتوقيف مبحوث عنه خطير جدا في حي عاريض بالناظور، كان موضوع 30 برقية بحث وطنية في ترويج المخدرات الصلبة، مع حجز 5 صفائح مزورة لترقيم السيارات وقنينة غاز مسيل للدموع. وتوقيف شخصين في إعزانن وسلوان كانا مبحوث عنهما في قضايا مخدرات. وكذلك توقيف مبحوث عنه خطير في دار الكبداني بإقليم الدريوش وحجز أسلحة نارية وذخيرة ومبالغ مالية، في حين تم العثور في أزغنغان على جثة متفحمة مساء 25 أكتوبر بغابة أزغنغان، مع فتح تحقيق تحت إشراف النيابة العامة لتحديد وجود شبهة جنائية من عدمه.

من رد الفعل إلى الاستباق: كيف تطورت العقيدة الأمنية؟

تضعنا المقارنة أمام حقيقتين، انتقلت أولا الجريمة من جريمة حضرية تقليدية محورها تزوير الوثائق في 2025، إلى جريمة عابرة للحدود، قروية بامتياز، وعالية التقنية في 2026. المجرم لم يعد مزورا فقط، بل أصبح مهربا يستخدم الدرون، ويتنقل بسيارات فارهة، ويحمل سلاحا ناريا وغازا مسيلا للدموع، ويستخدم لوحات ترقيم مزيفة وهويات مزورة، ويتحصن في أحياء مثل عاريض أو قرى نائية مثل دار الكبداني.

وتطورت الإستراتيجية الأمنية، ثانيا، تطورت بوتيرة أسرع من تطور الجريمة نفسها، وهذا يحسب لكل مكونات المنظومة.

أظهر الأمن الوطني ثباتا في الأداء. حافظت فرقة BRI والفرق الجهوية للشرطة القضائية والمصلحة الولائية على نفس الفعالية، تم تفكيك شبكة من 8 في 2025، ثم شبكة من 6 في 2026. يدل هذا الإستمرار على أن المعلومة الاستخباراتية القادمة من المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني أصبحت أكثر دقة وقدرة على توجيه ضربات استباقية.

وكان الدرك الملكي نجم هذه المرحلة دون منازع. بعد تدخلات متفرقة في 2025، أصبح في 2026 هو من يؤمن العمق القروي والحدودي. نفذ عمليات من بني درار إلى أهل أنجاد، ومن إعزانن ببني شيكر إلى سلوان ودار الكبداني، أسقطت 6 طائرات مسيرة وأحبطت تهريب 54 كلغ من المخدرات. وكلها عمليات تتطلب عملا ليليا في تضاريس وعرة وجاهزية تقنية وقتالية عالية أبان عنها رجال الدرك الملكي.

واعتبرت القوات المساعدة والجمارك هما الجندي الخفي. تؤمن القوات المساعدة تطويق أماكن التدخل في الدواوير والغابات وتأمين المحجوزات وحماية المتدخلين، بينما تتبع الجمارك المسارات الدولية للتهريب وتقيّم المحجوزات، وهو دور برز بشكل واضح في عمليات العروي حيث حجزت سيارات ومبالغ مالية مهمة.

وانتقلت جهة الشرق بكل ما سبق ذكره أعلاه أمنيا من منطق رد الفعل داخل أسوار المدينة في 2025، إلى منطق الإنتشار الإستباقي في كل المجالات الحضرية والقروية والحدودية في 2026. منظومة متكاملة، كل جهاز يسند الآخر، جعلت الجهة صامدة وآمنة رغم كل تعقيدات الجوار الحدودي.

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *