القفطان يدخل الكرملين.. حين تلبس المنصوري تاريخ المغرب

القفطان يدخل الكرملين.. حين تلبس المنصوري تاريخ المغرب

لم تدخل فاطمة الزهراء المنصوري إلى قاعة الكرملين كرئيسة حكومة فقط. دخلت كحكاية.

عبد الرحيم باريج

مساء 28 أكتوبر 2026، في حفل الاستقبال المهيب الذي أقامه فلاديمير بوتين على شرف قادة القمة الروسية – الإفريقية الثالثة، كان الجميع يرتدي الأسود. بدلات، ربطات عنق، بروتوكول يزن أطنانا من الجدية. وظهر فجأة الذهب.

قفطان مغربي، أصفر زعفراني، مطرز بخيط الذهب، بحزام عريض يلم الخصر، بأكمام واسعة كأجنحة. لم تكن المنصوري ترتدي ثوبا، كانت ترتدي بيانا سياسيا.

القفطان.. ليس ثوبا، بل وثيقة ميلاد

أن تفهم رمزية ما فعلته المنصوري، يجب أن تفهم ما هو القفطان.

القفطان ليس “لباسا تقليديا” كما تكتبه وكالات الأنباء ببرود. هو أقدم لباس دبلوماسي في تاريخ المغرب.

ولد في الأندلس، وهاجر مع الموريسكيين إلى فاس في القرن الخامس عشر، فاحتضنته دار المخزن، وصار لباس السلاطين. كان السلطان المولى إسماعيل يهدي القفاطين لسفراء أوروبا كأعلى وسام. كان السلطان الحسن الأول لا يستقبل أي سفير أجنبي إلا وهو يرتدي قفطان البهجة المطرز بالصقلي.

تاريخه ليس موضة، هو دولة. كل غرزة فيه هي جغرافيا، والتطريز الفاسي هو هندسة، تطريز الرباط هو زليج، تطريز تطوان هو أندلسي خالص. يسمى الخيط الذهبي “الصقلي”، والحزام يسمى “المضمة”، مرصعة بالأحجار، كانت تزن أحيانا كيلوغرامين من الفضة. كانت المرأة المغربية تحمل دولتها على خصرها. ولهذا سجلته اليونسكو تراثا إنسانيا خالصا للمغرب عام 2023، بعد معركة ثقافية شرسة، لأنه ليس قماشا، بل هوية مسجلة.

لماذا اختارت المنصوري الزعفراني تحديدا؟

اختيار اللون لم يكن عبثا. في علم الرمز المخزني، هناك قفطان لكل مقام.

اختارت الأصفر الزعفراني، لون الملوك في عهد المرينيين، لون الحكمة والهيبة. واختارت القفطان المخزني المغلق، لا قفطان العرس المفتوح. قفطان السلطة، لا قفطان الزينة. قفطان يسمى “قفطان النطع”، يلبس عند البيعة والإستقبالات الرسمية الكبرى.

كانت تقول لفلاديمير بوتين، الذي استقبل الملك محمد السادس في نفس القاعة بالذات في مارس 2016، نحن مستمرون. نفس الدولة، نفس الهيبة، نفس الذهب..فقط الوجه تغير، والآن هو وجه امرأة.

نساء العالم اللواتي انحنين للقفطان

المنصوري ليست الأولى التي اكتشفت سحر القفطان كسلاح ناعم. قبله، وقفت نساء غيّرن التاريخ وانحنين له:

هيلاري كلينتون، حين زارت مراكش عام 2009 كوزيرة خارجية أمريكية، ارتدت قفطانا أزرق ملكي وقالت جملتها الشهيرة “حين ترتدين القفطان المغربي، تشعرين أنك لا ترتدين ثوبا، بل ترتدين حضارة”.

الممثلة الأمريكية صوفيا لورين في مهرجان مراكش، ظهرت بقفطان أبيض مطرز، وصرحت للصحافة “هذا ليس فستانا، هذا فن معماري يمكن ارتداؤه”.

الملكة رانيا، التي تملك مجموعة من 40 قفطانا مغربيا، قالت في حوار مع مجلة “Elle”، “القفطان المغربي هو الوحيد في العالم الذي يجعل المرأة تبدو قوية ومحتشمة وفاتنة في نفس الوقت”.

المغنية ريهانا، التي أثارت ضجة عالمية حين ارتدت قفطانا مغربيا أحمر في حفل بالدار البيضاء عام 2019، كتبت على إنستغرام “لم ألبس في حياتي شيئا يجعلني أشعر أنني ملكة حقيقية مثل القفطان المغربي”.

ميشيل أوباما، خلال زيارتها لمراكش رفقة زوجها، طلبت خصيصا أن تهدى لها قفاطين من دار “نعيمة بوزار”، وقالت “هذا عمل يدوي لا يمكن لأي آلة في العالم أن تقلده”.

المصمم إيف سان لوران، الذي عاش في مراكش ودفن فيها، قال “مراكش علمتني اللون، والقفطان علمني أن اللون يمكن أن يكون ذاكرة”.

كل هؤلاء النساء قلن نفس الشيء: القفطان لا يزين المرأة، بل يتوجها.

الرسالة التي لا يقرأها إلا الكرملين

في السياسة، هناك لغة لا تكتب في البيانات الختامية. حين تقف المنصوري، رئيسة حكومة بلد مسلم، امرأة، بقفطان ذهبي وسط قاعة الكرملين التي بناها القياصرة، فهي تقول ثلاث رسائل في طية واحدة، الأولى أننا لسنا تابعين لأحد. في قمة تتصارع فيها روسيا والغرب على إفريقيا، المغرب لا يأتي ليصفق، بل يأتي بهويته كاملة. نحن لا نستعير بدلة أحد. والثانية، أن الحداثة لا تعني القطيعة. تدير المنصوري ملفات الطاقة والذكاء الإصطناعي والأمن الغذائي، وهي ترتدي لباسا عمره 500 عام. هذا هو المشروع المغربي، الأصالة والمعاصرة بدون عقدة. وثالثا، المرأة هي الدولة. أن ترسل المملكة امرأة لتمثل الملك في قمة قادة أغلبهم رجال، وأن تذهب هذه المرأة وهي ترتدي أكثر الألبسة أنوثة وفخامة، فتلك رسالة نسوية مغربية خالصة، القوة ليست أن تتشبهي بالرجل بل القوة أن تذهبي إلى الكرملين وأنت امرأة كاملة.

لهذا لم يكن القفطان مجرد “دبلوماسية ثقافية” كما كتبت بعض الصحف بخفة، كان دبلوماسية سيادية.

وترسل الدول العظمى دباباتها وطائراتها لتقول نحن هنا، وأرسل المغرب إبرة وخيطا من ذهب، فقال نفس الشيء، بل وأكثر، حين دخل القفطان إلى الكرملين، انحنى له التاريخ.

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *