رَصَاصٌ فِي ضَوَاحِي بَارِيسَ: جَرِيمَةُ “تَرَابْ” لَمْ تَكُنْ فِعْلًا مَعْزُولًا، بَلْ ثَمَرَةً لِشَحْنٍ يَوْمِيٍّ يُغَذِّي التَّطَرُّفَ وَيُنْذِرُ بِتَآكُلِ السِّلْمِ الْأَهْلِيِّ فِي فَرَنْسَا

رَصَاصٌ فِي ضَوَاحِي بَارِيسَ: جَرِيمَةُ “تَرَابْ” لَمْ تَكُنْ فِعْلًا مَعْزُولًا، بَلْ ثَمَرَةً لِشَحْنٍ يَوْمِيٍّ يُغَذِّي التَّطَرُّفَ وَيُنْذِرُ بِتَآكُلِ السِّلْمِ الْأَهْلِيِّ فِي فَرَنْسَا

عبدالقادر كتـــرة

لم تكن فجيعة يوم الجمعة 23 أكتوبر 2026 في بلدتي “تراب” و”لافيريير” بإقليم “إيفلين” مجرد جريمة جنائية عادية تضاف إلى سجل الحوادث اليومية؛ بل كانت زلزالاً أخلاقياً وسياسياً أعاد التذكير بأن الكلمات، حين تتحول إلى أدوات شحنة وتحريض مستمرين، لا تبقى مجرد حروف على ورق أو أصواتاً في أثير الاستديوهات، بل تكتسي لحماً وشحماً وتتحول عاجلاً أو آجلاً إلى رصاص حي يخترق أجساد الأبرياء.

في ذلك الصباح، وبينما كانت طفلة في الثانية عشرة من عمرها عائدة ببراءة من مسبحها المحلي مرتدية حجابها، استقرت في جسدها الغض ثماني رصاصات أطلقتها يد مجرم يعتمر أفكار الحقد والعنصرية، فأردت شابا آخر قتيلاً وألقت بآخرين في دوامة العناية المركزة. وحين سقط الضحايا، لم يكن الجاني “كيفن ت.” يمثل حالة شاذة في فراغ، بل كان ابناً شرعياً لبيئة إعلامية وسياسية دأبت على مدار الساعة على وصم المهاجرين وأبناء الأصول المغاربية والأفريقية بأنهم “خطر داهم” و”جرثومة تهدد الهوية”.

إن ما كشفت عنه التحقيقات الأولية من تفخيخ لمسكن الجاني بالعثور على نسخة من كتاب “كفاحي” لهتلر وأسلحة حربية تعود للحرب العالمية الثانية، يعكس عمق التأدلج العنصري الذي بات يعشعش في عقول بعض الأفراد بفعل سياسة “التطبيع مع الكراهية”.

فعندما تُفرغ وسائل الإعلام طاقاتها يومياً لربط الهجرة حصراً بالإرهاب والجريمة، وتصور الاحتجاجات الشعبية كأنها طلائع “حرب أهلية”، فإنها لا تنتج صحافة ولا نقاشاً ديمقراطياً، بل تُسلّح أيديولوجياً كل مضطرب نفسي أو متطرف حاقد، وتمنحه “المبرر المعنوي” لضغط الزناد.

لقد آن الأوان للمجتمع الفرنسي، ولكل القوى الحية والمدافعين عن قيم الجمهورية، أن يدركوا أن معركة محاربة الإرهاب والعنصرية لا تبدأ فقط في الشوارع أو أقسام الشرطة، بل تبدأ من تطهير الفضاء العام من خطابات التخويف والتحريض التي تُشرعن القتل تحت غطاء حرية التعبير. فدماء الضحايا في تراب ولافيريير هي جرس إنذار أخير: إما أن يُكبح جماح خطاب الكراهية، أو تنجرف فرنسا بأسرها نحو أتون لا يمكن احتواء شظاياه.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *