مِنَ “الْمُسَوَّدَةِ صِفْر” إِلَى “الزَّرْقَاءِ”… قِرَاءَةٌ فِي كَوَالِيسِ صِيَاغَةِ قَرَارَاتِ مَجْلِسِ الْأَمْنِ: حِصَارٌ دِبْلُومَاسِيٌّ لِمُنَاوَرَاتِ النِّظَامِ الْجَزَائِرِيِّ وَإِعْدَامُ الْبُولِيسَارْيُو وَتَرْسِيخٌ نِهَائِيٌّ لِمَغْرِبِيَّةِ الصَّحْرَاءِ
عبدالقادر كتـــرة
لا تقتصر قراءة المسار التفاوضي داخل أروقة مجلس الأمن الدولي بشأن قضية الصحراء المغربية على ظاهر النصوص فحسب، بل تكمن حقيقتها في تلك المعركة الدبلوماسية الحاسمة التي تدور في الكواليس لإجهاض المناورات اليائسة للنظام العسكري الجزائري وصنيعته الانفصالية “البوليساريو”.
فمنذ طرح “المسودة الصفرية” (Zero Draft) من طرف الولايات المتحدة الأمريكية بصفتها “صاحبة القلم”، مروراً بالمسودات التفاوضية اللاحقة وصولاً إلى “المسودة الزرقاء” النهائية، يتجلى بوضوح حجم العزلة الخانقة التي بات يعيشها محور الجزائر-البوليساريو أمام صلابة الموقف الدولي الداعم للسيادة المغربية.
من “المسودة صفر” إلى الصيغة النهائية: إجهاض المناورات الجزائرية
يروج خصوم الوحدة الترابية للمملكة لوهم أن غياب تغييرات جذرية بين المسودات المتتالية يعكس جموداً في المسار، غير أن القراءة الدبلوماسية الدقيقة تؤكد أن ثبات النص يمثل هزيمة مدوية لجهاز الدبلوماسية الجزائرية. فعدم إدخال تعديلات انقلابية يعني نجاح واشنطن والقوى الكبرى في وضع جدار صدّ منيع أمام المحاولات الجزائرية المستميتة لدسّ صيغ لغوية ملتوية أو عبارات فضفاضة تهدف إلى إنعاش الأطروحة الانفصالية الميتة.
لقد تحولت مرحلة الانتقال نحو “المسودة الزرقاء” إلى معركة “تدقيق لفظي” صارمة، جرى خلالها تنظيف النصوص من أي ثغرات قد تستغلها مليشيات “البوليساريو” – بتحريض وتوجيه مباشر من قصر المرادية – للتهرب من التزاماتها، مع التثبيت القاطع لمفردات الواقعية، والجدية، والتوافق، وهي المصطلحات التي تشكل كابوساً سياسياً لنظام بنى عقيدته على إدامة الصراع.
الحكم الذاتي: “الحل الواحد والوحيد” في مواجهة الإفلاس الانفصالي
تكرس الصياغات الأممية المتقدمة حقيقة لا رجعة فيها، مفادها أن المبادرة المغربية للحكم الذاتي تحت السيادة الكاملة للمملكة هي الحل الواحد والوحيد لطي هذا النزاع المفتعل.
هذا التوجه الأممي الحاسم يسحب البساط نهائياً من تحت أقدام النظام العسكري الجزائري، الذي ظل لعقود يوظف أموال ومقدرات شعبه لشراء الذمم وتمويل جبهة انفصالية مسلحة فاقدة لأي قرار مستقل أو شرعية تمثيلية.
إن المجتمع الدولي بات يدرك تمام الإدراك أن “البوليساريو” ليست سوى أداة وظيفية تحركها المؤسسة العسكرية في الجزائر لخدمة أجندات هيمنة إقليمية متجاوزة، وأن أي حديث خارج سقف السيادة المغربية ومبادرة الحكم الذاتي لم يعد يجد آذاناً صاغية في عواصم القرار العالمي.
إقبار الاستفتاء وتحويل “المينورسو” إلى “مينوسو”
أمام التمادي المستمر لمليشيات “البوليساريو” في عرقلة عمل الفرق الأممية وتقويض الاتفاقيات العسكرية بتحريض سافر من النظام الجزائري، بات لزاماً على مجلس الأمن نقل التحولات السياسية إلى أرض الواقع عبر إعادة هيكلة جذرية لبعثة المينورسو.
إن المرحلة الراهنة تفرض الانتقال الفوري من مهام حفظ السلام التقليدية إلى بعثة سياسية خاصة، وهو ما يقتضي تعديل تسميتها لتصبح “مينوسو” (MINUSO) بحذف حرف (R) الذي يرمز إلى “الاستفتاء”؛ كإعلان رسمي ونهائي عن إقبار هذا الخيار المستحيل ودفنه إلى الأبد.
كما أن تقليص المكون العسكري والنظامي للبعثة، وإغلاق أو دمج مواقع الانتشار غير المجدية ضمن جداول زمنية صارمة، يمثل الرد العملي لقطع الطريق أمام ابتزازات “البوليساريو” التي طالما استغلت وجود البعثة كغطاء لتأبيد الوضع القائم والمتاجرة بمعاناة المحتجزين في مخيمات تندوف.
محاصرة الطرف الحقيقي في “المائدة المستديرة”
لم يعد بإمكان حكام الجزائر الاختباء وراء صفة “المراقب” المزعومة أو تصدير أزماتهم الداخلية عبر تحريك دميتهم الانفصالية في كل موعد أممي.
فالحفاظ على ثوابت المسودات الأممية وتوسيع دائرة المشاورات السياسية يضعان النظام الجزائري أمام مسؤولياته التاريخية والقانونية والسياسية كطرف رئيسي ومباشر في النزاع، ويجبرانه على الجلوس إلى “المائدة المستديرة” باعتبارها الإطار الحصري والوحيد للعملية السياسية.
إن ثبات المرجعيات في المسودات النهائية لمجلس الأمن يعلن بوضوح انتهاء زمن الرمادية الدبلوماسية؛ فالمغرب يفرض إيقاعه الميداني والسياسي بقوة الشرعية والمنجزات التنموية في أقاليمه الجنوبية، بينما لا يحصد النظام العسكري الجزائري وصنيعته “البوليساريو” من وراء التحريض والمناورات سوى المزيد من الإخفاقات والانكشاف أمام المنتظم الدولي.

