اِنْقِلَابُ السِّحْرِ عَلَى السَّاحِرِ… الْجَزَائِرُ تَسْقُطُ فِي حُفَرِهَا الَّتِي حَفَرَتْهَا لِجِيرَانِهَا… تَحَرُّكَاتُ أَزَوَادَ بَيْنَ أَبُوظَبِي وَبَنْغَازِي تُسْقِطُ “الْخُطُوطَ الْحَمْرَاءَ” وَتُحْكِمُ الْعُزْلَةَ الْجِيُوسِيَاسِيَّةَ عَلَى الْجَزَائِرِ

اِنْقِلَابُ السِّحْرِ عَلَى السَّاحِرِ… الْجَزَائِرُ تَسْقُطُ فِي حُفَرِهَا الَّتِي حَفَرَتْهَا لِجِيرَانِهَا… تَحَرُّكَاتُ أَزَوَادَ بَيْنَ أَبُوظَبِي وَبَنْغَازِي تُسْقِطُ “الْخُطُوطَ الْحَمْرَاءَ” وَتُحْكِمُ الْعُزْلَةَ الْجِيُوسِيَاسِيَّةَ عَلَى الْجَزَائِرِ

عبدالقادر كتـــرة

لم تكن الزيارة الأخيرة التي قادت وفداً رفيع المستوى من “جبهة تحرير أزواد” إلى شرق ليبيا ولقاؤه بالمشير خليفة حفتر، عقب مباحثات استراتيجية في دولة الإمارات العربية المتحدة، مجرد تحرك دبلوماسي عابر لحركة تبحث عن موطئ قدم؛ بل كانت بمثابة إعلان رسمي عن وفاة الدور الإقليمي الذي طالما تفاخر به النظام العسكري في الجزائر، وتأكيداً ميدانياً على أن من يبني استراتيجيته على محاصرة جيرانه وإضعافهم، ينتهي به المطاف ساقطاً في الحفرة ذاتها.

لطالما روّجت المؤسسة الحاكمة في الجزائر لنفسها باعتبارها “القوة الإقليمية الضاربة” و”المظلة الأمنية” التي لا يمكن تجاوزها في منطقة الساحل والصحراء، راسمةً لنفسها خطوطاً حمراء وهمية ظنت أن الفاعلين المحليين والدوليين سيقفون عندها طويلاً. غير أن المتغيرات المتسارعة كشفت هشاشة هذه العقيدة القائمة على توظيف الأزمات وإبقاء الملفات الحدودية معلقة كورقة ضغط سياسي وأمني ضد دول الجوار.

خذلان الحلفاء وانكشاف “الضامن” العاجز

تعود جذور هذا الانقلاب الأزوادي على الجزائر إلى لحظة الحقيقة التي عرّت زيف “الوساطة الجزائرية”.

فبعد سنوات من احتكار ملف شمال مالي عبر “اتفاق الجزائر للسلم والمصالحة” الموقع عام 2015، وجدت الحركات الأزوادية نفسها في مواجهة عسكرية مفتوحة وغير متكافئة أمام الجيش المالي المدعوم بمرتزقة “فاغنر” الروسية، وهي المواجهة التي انتهت بسقوط معقلها التاريخي في “كيدال”.

في تلك اللحظة المفصلية، اكتشف الأزواديون أن النظام الذي قيّد حركتهم السياسية لسنوات تحت ذريعة “رعاية السلام”، عاجز تماماً عن حمايتهم دبلوماسياً أو ردع الهجوم العسكري الكاسح ضدهم، بل ومشلول أمام قرار المجلس العسكري في باماكو بتمزيق اتفاق الجزائر وإلغائه من طرف واحد.

هذا الشعور العميق بالخذلان والترك في العراء دفع القيادة الأزوادية إلى قراءة المشهد ببراغماتية جديدة؛ فإذا كانت الجزائر عاجزة عن حماية حلفائها التقليديين في حديقتها الخلفية، وتخشى في الوقت ذاته إغضاب موسكو الداعمة لنظام مالي، فإن البقاء تحت عباءتها لم يعد سوى انتحار سياسي وعسكري.

كسر الطوق والبحث عن عمق استراتيجي حقيقي

من هذا المنطلق، جاء التحرك الأزوادي الجريء نحو أبوظبي ثم بنغازي ليكسر الطوق الأمني والسياسي الجزائري إلى غير رجعة.

إن جلوس قادة أزواد مع المشير خليفة حفتر—الذي طالما ناصبه النظام الجزائري العداء وحذر من تمدد قواته على الحدود—يحمل رسالة جيوسياسية بالغة القسوة لصناع القرار في قصر المرادية؛ مفادها أن الجغرافيا السياسية لا تعترف بالفراغ، وأن الفاعلين الميدانيين يبحثون عن حلفاء يملكون القدرة الفعلية على التأثير والدعم اللوجستي والسياسي، لا عن أنظمة تكتفي ببيانات الشجب وإدارة الأزمات بالجمود.

لقد أصبحت عبارة “تبون يشاهد”، التي تداولها النشطاء على منصات التواصل الاجتماعي، توصيفاً دقيقاً لحالة الشلل الاستراتيجي التي يعيشها النظام الجزائري وهو يراقب حلفاء الأمس وخصوم اليوم يعيدون رسم خريطة تحالفات الساحل على حدوده الجنوبية والشرقية، دون أن يملك أداة واحدة للتدخل أو تغيير مسار الأحداث.

السقوط في حفرة العزلة الإقليمية

إن المأزق الذي تعيشه الجزائر اليوم ليس وليد الصدفة، بل هو النتيجة الحتمية لعقود من السياسات العدائية والمقاربات الأمنية الصفرية تجاه محيطها الإقليمي.

فبدلاً من استثمار مقدرات البلاد في بناء تكتلات اقتصادية وتنموية تربط شمال إفريقيا بعمقها الساحلي، انشغل النظام العسكري بنصب الكمائن الدبلوماسية لجيرانه، وإغلاق الحدود، والمراهنة على تقسيم الدول وإطالة أمد النزاعات لاستنزاف الخصوم.

واليوم، يرتد هذا النهج بالكامل على صانعه:

– جنوباً: قطيعة شاملة وعداء معلن مع دول “تحالف الساحل” (مالي، النيجر، بوركينا فاسو) التي طردت النفوذ الجزائري وفتحت أبوابها لتحالفات دولية وإقليمية بديلة، بينما تتجه دول المنطقة نحو المبادرات التنموية الأطلسية التي تمنحها مخارج اقتصادية حقيقية.

– شرقاً: تنسيق متصاعد بين الفصائل الأزوادية وقوات شرق ليبيا بقيادة حفتر، مما يضع الحدود الشرقية والجنوبية الشرقية للجزائر أمام معادلة أمنية خارجة تماماً عن سيطرتها.

– غرباً: فشل ذريع لكل محاولات عرقلة الدينامية الدبلوماسية والاقتصادية المغربية، التي نجحت في كسب ثقة دول الساحل والقوى الدولية عبر مشاريع استراتيجية ملموسة بدل الشعارات الأيديولوجية المتجاوزة.

إن المشهد الراهن في منطقة الساحل، رغم ما يحمله من نذر صراعات بالوكالة ومستقبل غامض نتيجة تزاحم القوى الدولية والإقليمية، يثبت حقيقة تاريخية راسخة؛ وهي أن الدول التي تبني سياستها الخارجية على إشعال الحرائق في محيطها وحفر الحفر لجيرانها، لابد أن ينتهي بها المطاف معزولةً ومحاصرةً داخل أسوارها، تتفرج بعجزٍ تام على عالم يتغير من حولها ويتجاوزها دون أن يلتفت إلى الوراء.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *