النِّفَاقُ الْإِعْلَامِيُّ لِـ”الْجَزِيرَةِ”: صَمْتٌ فِي “بَاكُو” عَلَى حُضُورِ أَمِيرِ قَطَرَ كَلِمَةَ رَئِيسِ إِسْرَائِيلَ، وَضَجِيجٌ مُفْتَعَلٌ فِي نِيُويُورْكَ حَوْلَ اتِّهَامِ الْوَفْدِ الْمَغْرِبِيِّ حُضُورَ كَلِمَةِ رَئِيسِ وُزَرَاءِ إِسْرَائِيلَ
عبدالقادر كتـــرة
تُعدّ الصورة والخبر في عصرنا الحالي أقوى أسلحة التوجيه السياسي، حيث لا يقتصر دور المؤسسات الإعلامية الكبرى على نقل الحدث، بل يتعداه إلى صناعته وتأطيره لخدمة أجندات محددة.
ولعل السلوك التحريري لقناة “الجزيرة” في تعاطيها مع الأحداث الدبلوماسية الأخيرة، يُمثل حالة دراسية نموذجية لما يمكن تسميته بـ”التضليل الممنهج” وازدواجية المعايير، حيث تتحول القضية الفلسطينية، التي تمثل الجرح النازف والوجدان المشترك للشعوب العربية، إلى مجرد أداة لتصفية الحسابات الإقليمية.
تتجلى هذه الازدواجية بوضوح صارخ عند وضع حدثين دبلوماسيين متزامنين جنباً إلى جنب.
الحدث الأول جرى في العاصمة الأذربيجانية “باكو” خلال قمة مؤتمر التفاعل وإجراءات بناء الثقة في آسيا (سيكا)، حيث اعتلى الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ المنصة لإلقاء كلمته. في تلك اللحظة، اتخذت عدة وفود إسلامية وعربية موقفاً مبدئياً وانسحبت من القاعة، بينما اختار الوفد القطري، وعلى رأسه أمير البلاد، البقاء والاستماع.
أمام هذا المشهد، أُصيبت شاشات “الجزيرة” ومنصاتها الرقمية بالعمى الاختياري. غابت التغطيات العاجلة، واختفت التحليلات التي تتحدث عن “الهرولة” و”الخذلان”، وبدا أن البقاء في القاعة للاستماع لرئيس إسرائيل هو مجرد “بروتوكول دبلوماسي” لا يستحق الذكر، طالما أن المعني به هو الدولة الممولة للقناة.
في المقابل، وخلال أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وعندما صعد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى المنصة، سارعت الماكينة الإعلامية ذاتها لافتعال معركة من العدم.
روجت القناة والمنصات الدائرة في فلكها لسردية مضللة تدعي بقاء الوفد المغربي في القاعة وتخلفه عن الانسحاب الجماعي الذي قامت به وفود أخرى.
ورغم أن الحقائق الموثقة أثبتت خلو مقاعد الوفد المغربي أصلاً خلال تلك الجلسة، استمرت عملية الضخ الإعلامي وتوجيه الذباب الإلكتروني لشيطنة موقف الرباط، في محاولة مكشوفة لاستثارة العواطف وتهييج الرأي العام.
هذا التناقض الفج لا يعكس مجرد خطأ مهني أو زلة تحريرية، بل يفضح عقيدة إعلامية تقوم على “الكيل بمكيالين”.
عندما يتعلق الأمر بالدوحة، تُصاغ الأخبار بحذر وتُستخدم مصطلحات الدبلوماسية والبراغماتية والوساطة لتبرير أي تقاطع مع الإسرائيليين. أما عندما يتعلق الأمر بدول أخرى كالمغرب، تُستل سيوف “المقاومة والممانعة” من غمدها، وتُنتزع الأحداث من سياقها، بل وتُختلق الوقائع اختلاقاً لخدمة اصطفافات سياسية ضيقة.
الخطورة الحقيقية لهذا النهج تكمن في استغلاله البشع للعاطفة الصادقة لدى المشاهد العربي تجاه فلسطين. يتم تحويل هذا التضامن النبيل إلى سلاح لضرب استقرار دول بعينها وتشويه صورتها، في حين تُمنح صكوك الغفران لدول أخرى تمارس أضعاف ما يُنتقد سراً وعلانية. إنها عملية ابتزاز سياسي ترتدي عباءة الإعلام الحر.
المشاهد العربي اليوم، وخاصة بفضل تدفق المعلومات وسهولة التحقق من المصادر المفتوحة، لم يعد المتلقي الساذج الذي يبتلع الرواية الأحادية.
إن توالي سقطات ازدواجية المعايير، من التجاهل المتعمد لغياب الانسحاب في “باكو” إلى اختلاق الحضور في “نيويورك”، يُسقط ورقة التوت عن استقلالية مزعومة، ويؤكد أن الشاشة التي تدعي الانحياز للحقيقة، لا تنحاز في الواقع إلا للموجه الذي يضبط إيقاع غرفة أخبارها وفقاً لبوصلة مصالحه الخاصة، متناسية أن حبل الكذب قصير، وأن مصداقية الإعلام تُبنى على التراكم، لكنها تُهدم بمجرد اكتشاف الانتقائية والنفاق.

