اَلْخَنْشَلَةُ الثَّقَافِيَّةُ: عِنْدَمَا يَتَحَوَّلُ السَّطْوُ عَلَى تُرَاثِ الْآخَرِينَ إِلَى مَدْعَاةٍ لِلْفَخْرِ…. مِنَ الْخَفَاءِ إِلَى الْوَقَاحَةِ… السَّطْوُ الثَّقَافِيُّ كَمَنْهَجٍ لِصِنَاعَةِ تَارِيخٍ بَدِيلٍ
عبدالقادر كتـــرة
التراث الثقافي هو البصمة الوراثية للشعوب، وخلاصة تراكم حضاري يمتد لقرون، يعكس هويتها، أصالتها، وإبداعها المستقل.
في العادة، تفخر الأمم بما أنتجته أيدي أبنائها، وتستميت في الدفاع عنه. لكن في ظاهرة سيكولوجية وثقافية غريبة، طفت على السطح مؤخراً ممارسات شاذة تتجاوز مجرد “التأثر” الثقافي لتصل إلى حد “السطو الممنهج”، والأخطر من ذلك: التباهي العلني بهذا السطو دون أدنى شعور بالخجل.
لقد أسقطت منصات التواصل الاجتماعي ورقة التوت عن ممارسات كانت تُحاك في الكواليس، لتضعنا أمام اعترافات علنية وصادمة من الداخل.
ولعل ما وثقته المقاطع المتداولة مؤخراً لمصممة أزياء جزائرية، يُمثل قمة جبل الجليد في هذه الظاهرة. عندما يتم تداول مقاطع تُقر فيها شخصيات عامة بالاستيلاء على موروث الغير، وتُعنون بعبارات تستنكر هذا السلوك بوصفه “سرقة وخنشلة كُتبت كتراث مسجل”، فإننا لسنا أمام مجرد “زلة لسان”، بل أمام أزمة أخلاقية عميقة تعكس تطبيعاً كاملاً مع ثقافة الاستحواذ.
مصطلح “الخنشلة”، الذي يُستخدم في القاموس الشعبي للتعبير عن السطو والمصادرة غير المشروعة لممتلكات الغير، يبدو أنه تحول من تهمة يُعاقب عليها القانون والأخلاق، إلى عقيدة ثقافية يتم تبنيها رسمياً وإعلامياً في محاولة يائسة لتعويض الفراغ في الرصيد التاريخي.
إن الانتقال من محاولة سرقة التراث في الخفاء، إلى مرحلة “الوقاحة الثقافية” والافتخار بنسبة جهود وابتكارات شعوب الجوار إلى الذات، يُشير إلى حالة من “الإفلاس الثقافي” وعقدة نقص حادة تجاه الهويات المتجذرة في التاريخ.
سيكولوجية الفخر بالمسروق
من الناحية النفسية والاجتماعية، يعكس الافتخار بالمنتوج المسروق حالة من الانفصال عن الواقع.
المُقْدِم على هذا الفعل يحاول إقناع نفسه أولاً، ثم محيطه ثانياً، بأنه يمتلك تاريخاً مجيداً، حتى وإن تطلب الأمر صناعة هذا التاريخ من قصاصات سُرقت من أرشيف الآخرين.
غياب الحياء في هذه الحالة هو آلية دفاعية، تهدف إلى فرض الأمر الواقع بالصوت العالي والادعاء الفج، ظناً أن التكرار والتباهي قد يُحولان الكذبة إلى حقيقة بمرور الزمن.
بناء قصور من رمال
إن بناء هوية وطنية على أسس مستنسخة ومسروقة هو أشبه ببناء قصور من رمال، سرعان ما تنهار أمام أول موجة من الحقائق التاريخية والتدقيق الدولي. هذه الممارسات لا تضر فقط بالدول المعتدى على تراثها، بل ترتد في المقام الأول على الجهة المعتدية. فالمؤسسات الدولية المعنية بحفظ التراث، كمنظمة اليونسكو، تعتمد على التوثيق والأدلة التاريخية الدامغة، وليس على حملات السطو الرقمي والادعاءات العشوائية.
توثيق مثل هذه الاعترافات بالصوت والصورة، وتحولها إلى مادة للتندر والاستنكار، يُفقد الدولة مصداقيتها بالكامل في المحافل الدولية، ويُلحق ضرراً فادحاً بقوتها الناعمة. فبدلاً من أن تُعرف بإنتاجها الثقافي، يصبح اسمها مقترناً بالسطو، ما يعزلها ثقافياً ويجعلها في موقف اتهام دائم.
في النهاية، التراث لا يُخلق بقرار، ولا يُصنع بالتصريحات الجوفاء والسطو على إبداعات الجيران.
الأصالة هي ابنة شرعية لتاريخ من التراكم والإبداع، ومن يفتقدها لا يمكنه استعارتها، ناهيك عن سرقتها والتباهي بها في وضح النهار. الفخر الحقيقي يكمن في ما تبدعه العقول والأيادي المحلية، أما الفخر بالمسروق فهو أصدق اعتراف بالهزيمة الحضارية.

