حِينَ تَرْوِي الحَلْوَى عُرَى الأُخُوَّةِ: شَهَادَاتٌ حَيَّةٌ لِشُيُوخِ الحَلْوَانِيِّينَ الجَزَائِرِيِّينَ عَنْ أَصْلِ الزَّلَابِيَّةِ المَغْرِبِيَّةِ…. حِرَفِيُّونَ مَغَارِبَةٌ يَنْقُلُونَ أَسْرَارَ التُّرَاثِ الحَلْوَانِيِّ الأَصِيلِ لِجِيلِ المُعَلِّمِينَ الجَزَائِرِيِّينَ

حِينَ تَرْوِي الحَلْوَى عُرَى الأُخُوَّةِ: شَهَادَاتٌ حَيَّةٌ لِشُيُوخِ الحَلْوَانِيِّينَ الجَزَائِرِيِّينَ عَنْ أَصْلِ الزَّلَابِيَّةِ المَغْرِبِيَّةِ…. حِرَفِيُّونَ مَغَارِبَةٌ يَنْقُلُونَ أَسْرَارَ التُّرَاثِ الحَلْوَانِيِّ الأَصِيلِ لِجِيلِ المُعَلِّمِينَ الجَزَائِرِيِّينَ

عبدالقادر كتـــرة

في عالم تتسارع فيه التحولات وتتعدد فيه محاولات السطو على الذاكرة الجماعية والموروث الثقافي للشعوب، تبقى الشهادات الحية والألسن الناطقة بالحقائق التاريخية هي الحصن الأمني الأقوى لحماية الهوية. ومن بين أروقة الأسواق العتيقة وورش الحرف التقليدية، تطفو على السطح بين الحين والآخر قصص إنسانية وحرفية تروي تفاصيل دقيقة عن التواصل التاريخي والتبادل الحضاري العميق بين الشعبين الشقيقين في المغرب والجزائر. لعل أحدثها وأكثرها تداولا وتأثيراً، تلك الشهادات الحية التي أدلى بها شيوخ حرفة صناعة الحلويات التقليدية في الجزائر، والذين اعترفوا صراحة وبكل أمانة مهنية وتاريخية بأن “المعلم المغربي” كان هو البوصلة والأستاذ الذي وضع اللبنات الأولى وعلمهم أصول وأسرار هذه الصنعة الدقيقة.

حرفة تتوارثها الأجيال.. وعشق عابر للحدود

لا تكاد تمضي مائدة رمضانية أو مناسبة احتفالية في المغرب الكبير دون أن تحتل الحلويات التقليدية العريقة، وعلى رأسها “الشباكية” بمذاقها الفريد وتصميمها الهندسي البديع، مكان الصدارة. هذه الصنعة لا تباع في حوانيت الجاهز، بل هي فنّ قائم بذاته يتطلب دقة في اختيار المكونات الغنية كالسمسم، واللوز، والتوابل العطرية، ومهارة يدوية خارقة في “التشبيك” وطي العجين.

وقد وثقت مقاطع فيديو حديثة وشهادات حية لشيوخ صانعي الحلويات في الجزائر اعترافات ناطقة بالفضل؛ حيث أكد “أقدم معلم للشباكية” في شهادته بكل تواضع وموضوعية أن معلماً مغربياً كان هو من تولى تعليمه أصول هذه المهنة الشاقة والدقيقة. هذا الاعتراف العلني لا يمثل مجرد إقرار فردي بفضل أستاذ على تلميذه، بل هو وثيقة حية ناطقة من قلب الواقع المهني تؤكد الجذور التاريخية والمرجعية الصلبة للمطبخ المغربي، الذي ظل عبر القرون مصدراً للإلهام والتكوين الحرفي في المنطقة المغاربية برمتها.

الذاكرة الحرفية.. حين تسقط التجاذبات السياسية أمام أمانة الصنعة

إن أهمية هذه الشهادات لا تكمن فقط في جانبها الطهوي، بل في قدرتها على كشف زيف المحاولات العابرة لطمس الحقائق أو نسب الفضل لغير أهله. فالحرفيون القدامى، الذين قضوا عقوداً طويلة في إتقان صنفتهم، يعلمون جيداً أن الحقيقة التاريخية لا يمكن تزييفها بالخطابات الشعبوية. لقد كان الحرفيون المغاربة سفراء صامتين للثقافة والأصالة، تنقلوا بين الحواضر المغاربية كفاس ومراكش وتلمسان وغيرها، حاملين معهم إرثاً متوارثاً جيلاً عن جيل، ليضعوه أمانة بين أيدي إخوة لهم وجدوا فيهم خير خلف لسلف.

تؤكد هذه الشهادات أن الروابط بين المغاربة والجزائريين أعمق بكثير من أن تنال منها الخلافات السياسية العابرة؛ فهي روابط دم، وجيرة، وتاريخ مشترك، وثقافة متداخلة يصعب فصل خيوطها. فحين يعترف شيخ جزائري طاعن في السن، بكل فخر واعتزاز، بأن “مغربياً علمه” أصول الصنعة، فإنه يرسل رسالة بليغة للأجيال الصاعدة مفادها أن الاحترام المتبادل والاعتراف بالفضل هما أساس استمرار الهوية المشتركة.

خاتمة: حماية التراث مسؤولية تاريخية

إن حفظ الموروث الثقافي المادي واللامادي لم يعد ترفاً فكرياً، بل أصبح واجباً وطنياً وإنسانياً. وما شهادة شيوخ الحلويين الجزائريين إلا دليل دامغ على أن الأصالة المغربية في مجالات الطبخ والزخرفة والحرف التقليدية تتمتع بمرجعية تاريخية لا تقبل الشك. ومن هنا، تبرز الحاجة الملحة لتوثيق مثل هذه الشهادات الحية، وتكثيف الجهود الأكاديمية والإعلامية لحماية الذاكرة المغاربية من كل محاولات التشوه، لتبقى هذه الفنون شاهدة حية على أن الإبداع الحقيقي لا يحده جدار، وأن التاريخ الأثيل يظل دائماً هو الفيصل والمنتصر للحقيقة.

فيديو للمشاهدة

 

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *