حُكُومَةُ الْقَبَائِلِ فِي الْمَنْفَى.. خُطْوَةٌ كَنَدِيَّةٌ تَضَعُ الْمُقَارَبَةَ الْأَمْنِيَّةَ الْجَزَائِرِيَّةَ فِي مَأْزَقٍ…. عُقْدَةُ الِانْفِصَالِ: كَيْفَ تَحَوَّلَتْ “الْأَنَافَادُ” إِلَى أَكْبَرِ تَهْدِيدٍ اسْتْرَاتِيجِيٍّ لِعَسْكَرِ الْجَزَائِرِ؟

حُكُومَةُ الْقَبَائِلِ فِي الْمَنْفَى.. خُطْوَةٌ كَنَدِيَّةٌ تَضَعُ الْمُقَارَبَةَ الْأَمْنِيَّةَ الْجَزَائِرِيَّةَ فِي مَأْزَقٍ…. عُقْدَةُ الِانْفِصَالِ: كَيْفَ تَحَوَّلَتْ “الْأَنَافَادُ” إِلَى أَكْبَرِ تَهْدِيدٍ اسْتْرَاتِيجِيٍّ لِعَسْكَرِ الْجَزَائِرِ؟

عبدالقادر كتـــرة

في الوقت الذي تسعى فيه السلطات الجزائرية لإحكام قبضتها الأمنية والسياسية في الداخل، تأتي الرياح بما لا تشتهيه سفن قصر المرادية. ففي العاشر من أكتوبر، ستشهد كندا حدثاً قد يبدو للبعض مجرد تحرك رمزي، لكنه في الواقع يمثل “زلزالاً صامتاً” يضرب عمق العقيدة السياسية للنظام الجزائري؛ إنه تنصيب كريم عشاب رئيساً لوزراء “حكومة القبائل في المنفى” (الأنافاد).

هذا الحدث يتجاوز كونه تغييراً في الوجوه، ليمثل تحولاً استراتيجياً في مسار أزمة منطقة القبائل، حيث تنتقل القضية رسمياً من مربع “الاحتجاج المحلي” إلى فضاء “التدويل الدبلوماسي”، وهو السيناريو الذي طالما سعى النظام العسكري الجزائري لتفاديه بكل السبل.

من شوارع تيزي وزو إلى أروقة كندا وباريس لعبت حركة “الماك” (حركة تقرير مصير منطقة القبائل) بقيادة فرحات مهني أوراقها بذكاء براغماتي على مر السنوات.

فبعد أن أدركت استحالة المواجهة في الداخل أمام الآلة الأمنية الجزائرية التي صنفتها “منظمة إرهابية”، نقلت الحركة ثقلها إلى الشتات.

اختيار شخصية مثل كريم عشاب، الأكاديمي والمدير السابق للعلاقات الدولية في الحركة، لقيادة الحكومة في المنفى، يحمل رسالة واضحة: المرحلة القادمة ليست للاحتجاجات الجماهيرية، بل للمرافعة الأكاديمية، والضغط الحقوقي، والاختراق الدبلوماسي داخل البرلمانات الغربية والمنظمات الدولية.

فزع النظام.. لماذا يخيف التدويل حكام الجزائر؟

لا يمكن فهم حجم القلق والفزع الذي ينتاب دوائر صنع القرار (وخاصة المؤسسة العسكرية) في الجزائر تجاه هذا الملف، إلا بالنظر إلى الهشاشة البنيوية التي يعاني منها النظام. التدويل يمثل كابوساً لثلاثة أسباب رئيسية:

1- سقوط ورقة “الشأن الداخلي”:

طالما تحصنت الجزائر بمبدأ “السيادة الوطنية وعدم التدخل” لقمع أي أصوات معارضة. خروج قضية القبائل إلى منصات دولية في كندا وفرنسا يعني أن الانتهاكات الحقوقية والاعتقالات في المنطقة ستصبح تحت مجهر المنظمات الحقوقية الغربية، مما يفقد النظام حصانته التامة ويحوله إلى متهم مطالب بتقديم إجابات مستمرة.

2- الخوف من “تأثير الدومينو”:

يدرك النظام أن الاعتراف أو حتى التعاطف الدولي مع المطالب الثقافية والسياسية لمنطقة القبائل قد يشجع مناطق أخرى ذات خصوصيات ثقافية أو جغرافية في الجزائر على رفع سقف مطالبها، مما يهدد السردية الأحادية للدولة المركزية.

3- فشل المقاربة الأمنية والقضائية:

استنفدت السلطات الجزائرية ترسانتها القانونية عبر المادة (87 مكرر) التي توسع مفهوم الإرهاب ليشمل المعارضين السلميين، وأصدرت مذكرات توقيف دولية بالجملة ضد قيادات الحركة.

إلا أن رفض الإنتربول والدول الغربية (مثل فرنسا وكندا) تسليم هؤلاء الناشطين، يُعد صفعة قانونية ودبلوماسية للجزائر، ويثبت أن “القوة الغاشمة” لا تجدي نفعاً خارج الحدود.

التداعيات: عزلة دبلوماسية وصدام مع الغرب إن احتضان دول مثل كندا وفرنسا لأنشطة “الأنافاد”، واستقبال شخصيات سياسية وأكاديمية غربية لهذه الفعاليات، يضع الدبلوماسية الجزائرية في موقف محرج وضعيف.

النظام الجزائري يجد نفسه مضطراً للاختيار بين أمرين كلاهما مر: إما التصعيد الدبلوماسي واستدعاء السفراء وقطع العلاقات (وهو ما سيزيد من عزلته الدولية المنهكة أصلاً)، أو الصمت وتقبل الأمر الواقع، مما يُظهر ضعفاً وتراجعاً في صورته القوية التي يسوقها للاستهلاك الداخلي.

علاوة على ذلك، يمثل هذا التدويل ورقة ضغط جيوسياسية في يد القوى الدولية والإقليمية، التي قد تستخدم ملف القبائل ككابح لأي تهور جزائري في ملفات أخرى، مما يحجم من النفوذ الإقليمي الذي تحاول الجزائر استعادته يائسة.

ختاما، إن حدث العاشر من أكتوبر في كندا ليس مجرد حفل تنصيب، بل هو إعلان صريح بأن قضية منطقة القبائل قد كُتبت بحبر دولي لا يمكن محوه بالمراسيم الأمنية.

النظام العسكري الجزائري، الذي اعتاد حل أزماته الداخلية عبر الاعتقالات وتكميم الأفواه، يجد نفسه اليوم أمام عدو من نوع آخر: دبلوماسية الشتات ولغة الحقوق المدنية.

وفي ظل استمرار لغة القمع ورفض الحوار، يبدو أن كرة الثلج القبائلية ستستمر في التدحرج خارج الحدود، محولة الفزع الأمني في الجزائر إلى حقيقة دبلوماسية واقعة.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *