نِهَايَةُ وَهْمِ الْبُولِيسَارْيُو: أُفُولُ مَشْرُوعِ الِانْفِصَالِ وَبِدَايَةُ عَصْرِ الْوَاقِعِيَّةِ الْمَغَارِبِيَّةِ… طَيُّ صَفْحَةِ الْوَهْمِ: مُسَوَّدَةُ الْأُمَمِ الْمُتَّحِدَةِ تُؤَكِّدُ حَتْمِيَّةَ الْحُكْمِ الذَّاتِيِّ وَتُنْهِي أُسْطُورَةَ النِّزَاعِ الْمَفْتُوحِ
عبدالقادر كتـــرة
طال الزمن أم قصُر، فإن الأوهام السياسية لا تقوى على مواجهة صخرة الحقائق التاريخية والجغرافية والواقعية.
وحين تتسرب وثائق الأمم المتحدة الرسمية لتكشف تفاصيل كواليس التسوية النهائية لملف الصحراء المغربية، فإنها لا تعلن مجرد تطور دبلوماسي عابر، بل تعلن الإسدال التدريجي والنهائي على الستار الأخير لمسرحية طويلة كُلفت شعوب المنطقة غالياً من أمنها واستقرارها وتنمية اقتصادها.
لقد استمر “وهم البوليساريو” لأكثر من نصف قرن، محمولاً على شعارات رنانة وأيديولوجيات الحرب الباردة، ومستنداً إلى دعم مالي وسياسي استنزف مقدرات دولة مجاورة في معركة خاسرة سلفاً.
غير أن القراءة الدقيقة لمسار المفاوضات الجارية والمستندة إلى قرارات مجلس الأمن الدولي المتعاقبة، وصولاً إلى المؤشرات المسرّبة لتقرير الأمين العام للأمم المتحدة لعام 2026، تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الجبهة الانفصالية قد دُفعت -أو أُجبرت- على تجرع مرارة الواقع: لا استقلال، لا انفصال، ولا استفتاء شكلي، بل سبيل واحد لا رجعة فيه يُعرف بـ الحكم الذاتي الموسع تحت السيادة المغربية.
سقوط الأقنعة: من أوهام الاستقلال إلى طاولات التفاوض الواقعي
إن أهم ما تكشفه التقارير والتحليلات المتواترة من كواليس جولات الحوار الرباعية (بين المغرب والجزائر وموريتانيا والبوليساريو) هو ذلك التحول الجذري في سلوك وفد الجبهة الانفصالية؛ فبعد عقود من التشدق بـ”الجمهورية الوهمية” ورفض أي نقاش خارج صندوق تقرير المصير الانفصالي، وجدت قيادات تندوف نفسها مضطرة لتقديم مقترحات تدور بالكامل في فلك مقترح الحكم الذاتي المغربي.
هذا التراجع ليس مجرد مناورة سياسية، بل هو اعتراف ضمني بأن المجتمع الدولي بقيادة القوى الكبرى (الولايات المتحدة، فرنسا، وإسبانيا، وغالبية العواصم الفاعلة) حسم موقفه نهائياً: مغربية الصحراء واقع لا يُراجع، والحل الوحيد الممكن هو حل سياسي واقعي وعملي ومقبول من الطرفين داخل السيادة المغربية.
وحين يقبل خصوم الأمس بالجلوس لمناقشة تفاصيل “مجلس انتقالي” يشمل المنتخبين الصحراويين الشرعيين في الأقاليم الجنوبية، وترتيبات العفو والمصالحة، وتقاسم الموارد، ونزع السلاح، فهذا يعني بوضوح أن الكيان الانفصالي يلفظ أنفاسه الأخيرة كإطار عسكري وسياسي معارض، ويتحول تدريجياً إلى مجرد أفراد يبحثون عن مخرج آمن وحفظ ماء الوجه.
نحو واقع مغاربي جديد بلا عقبة وهمية
إن نهاية هذا الوهم لا تمثل انتصاراً للدبلوماسية المغربية وحدها، رغم عدالة قضيتها وصلابة إستراتيجيتها التنموية والدبلوماسية في الأقاليم الصحراوية، بل هي مصلحة استراتيجية لجميع شعوب المنطقة، وفي مقدمتها الشعب الجزائري الشقيق.
لقد أثبت التاريخ المعاصر أن الاستثمار في النزاعات الوهمية وتمويل الجماعات الانفصالية لا يورث سوى الفقر والتخلف والعزلة واستنزاف الثروات.
إن تفكيك معسكرات تندوف وإعادة إدماج المحتجزين في وطنهم الأم المغرب، تحت مظلة تنموية وديمقراطية شاملة، يفتح الباب واسعاً أمام جيل جديد من الشباب المغاربي للتركيز على ما ينفعهم: بناء تكتل إقليمي قوي، مواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية المشتركة، وتحويل الصحراء المغربية من بؤرة توتر واهتزاز إلى جسر تواصل ورخاء يربط العمق الإفريقي بأوروبا والعالم.
خاتمة: حتمية التاريخ
إن الأوهام السياسية، مهما طال أمدها وتعددت رعاتها، مصيرها إلى زوال عندما تصطدم بصخرة الحقائق الجيوسياسية والتنموية. ومغرب الصحراء اليوم ليس مغرب الأمس؛ فقد فرضت مدينة العيون والداخلة ومختلف ربوع الصحراء نفسها كأقطاب تنموية ودبلوماسية عالمية مفتوحة على مصراعيها للقنصليات والاستثمارات الكبرى.
وحان الوقت لمن ما زالوا يعيشون في كبسولة الزمن الماضي أن يدركوا أن قطار التاريخ قد انطلق، وأن الاستمرار في تسويق “وهم البوليساريو” لم يعد سوى حرث في البحر ومكابرة عبثية لن تزيد أصحابها إلا عزلة وخسارة.

