عِنْدَمَا كَادَتْ إِنْجِلْتِرَا أَنْ تَصِيرَ وِلَايَةً مَغْرِبِيَّةً: الْمَلِكُ الْإِنْجِلِيزِيُّ الَّذِي عَرَضَ دُخُولَ الْإِسْلَامِ وَطَلَبَ الْحِمَايَةَ مِنَ الْخَلِيفَةِ الْمُوَحِّدِيِّ… كَوَالِيسُ مُؤَامَرَةٍ تَارِيخِيَّةٍ

عِنْدَمَا كَادَتْ إِنْجِلْتِرَا أَنْ تَصِيرَ وِلَايَةً مَغْرِبِيَّةً: الْمَلِكُ الْإِنْجِلِيزِيُّ الَّذِي عَرَضَ دُخُولَ الْإِسْلَامِ وَطَلَبَ الْحِمَايَةَ مِنَ الْخَلِيفَةِ الْمُوَحِّدِيِّ… كَوَالِيسُ مُؤَامَرَةٍ تَارِيخِيَّةٍ

عبدالقادر كتـــرة

– من محاولة التبعية للموحدين إلى ولادة “الماغنا كارتا”: كيف صنعت أزمة السيادة الإنجليزية الدستورية الحديثة؟

– الالتفاف على القانون الإقطاعي: كواليس المناورة السياسية للملك “جون” مع بلاط مراكش (1213م)

– أزمة الشرعية وسقوط الاستبداد: كيف أدى الرفض الموحدي إلى تقييد السلطة المطلقة للتاج الإنجليزي؟

أزمة السيادة والشرعية السياسية

لا تُبنى التحولات الدستورية الكبرى في التاريخ دائماً على نظريات الفلاسفة أو التطور العقلاني الهادئ، بل غالباً ما تولد من رحم الأزمات السياسية الخانقة وصراعات السلطة المعقدة. وفي عام 1213م، كانت المملكة الإنجليزية تشهد أزمة سيادية وقانونية غير مسبوقة هددت بانهيار مؤسسة الملكية والنظام الإقطاعي برمتها.

فقد وجد الملك “جون لاكلاند” (John Lackland) بلا أرض نفسه معزولاً قانونياً وسياسياً؛ نتيجة تجريده من أراضيه القارية، وصدور قرار الحرمان الكنسي بحقه من البابا “إينوسنت الثالث”، إلى جانب التمرد المسلح الذي أعلنه نبلاء إنجلترا (البارونات) ضد سلطته الاستبدادية.

المناورة الدبلوماسية: الالتفاف على المنظومة القانونية والكنسية

في محاولة يائسة للخروج من حالة الانكشاف السياسي والقانوني أمام الكنيسة والبارونات، أقدم الملك “جون” على خطوة جيو-سياسية غير مألوفة في التاريخ الدستوري الأوروبي: إرسال سفارة سرية إلى مراكش، عاصمة الإمبراطورية الموحدية، للمطالبة بالحماية والتحالف مع الخليفة محمد الناصر.

وبحسب ما توثقه مذكرات المؤرخ “متى الباريسي”، تضمنت المبادرة الإنجليزية عرضاً قانونياً وسياسياً متكاملاً يتلخص في:

1- إعلان التبعية السياسية : تحويل المملكة الإنجليزية إلى دولة خاضعة لسلطة الخليفة الموحدي ودفع الجزية أو الجباية السيادية له.

2- إسقاط المرجعية الدينية والشرعية: إبداء الاستعداد للتخلي عن المسيحية والتحول إلى الإسلام، وبذلك يسقط الملك الشرعية القانونية والدينية التي كان يستند إليها البابا لممارسة الضغط والوصاية عليه.

كانت هذه المحاولة تُشكل مناورة قانونية للالتفاف على العقد الإقطاعي الداخلي والسلطة البابوية الخارجية، عبر استبدال المرجعية القانونية والسياسية الكاثوليكية بمرجعية إمبراطورية إسلامية كانت تمثل القوة الجيو-سياسية الأبرز في غرب البحر الأبيض المتوسط.

الرفض الموحدي: فلسفة الحكم والشرعية السياسية

غير أن موقف الخليفة الموحدي محمد الناصر جاء قاطعاً من الناحية السياسية والأخلاقية. فعقب استقبال الوفد الإنجليزي والاستماع إلى بنود الصفقة، رفض الخليفة الموحدي هذا العرض باحتقار شديد، واصفاً الملك جون بـ “المليك المجنون”.

ومن منظور الفكر السياسي الموحدي والأعراف الدبلوماسية السائدة آنذاك، رأى البلاط الموحدي أن الحاكم الذي يفرّط في عقيدته وسيادة أرضه وشعبه تحت وطأة الضغط الداخلي لا يمكن اعتباره حليفاً موثوقاً أو حاكماً يتمتع بالشرعية والسيادة الحقيقية. وكان هذا الرفض بمثابة رصاصة الرحمة على طموحات الملك جون في الحصول على أي ظهير دولي يسانده.

التداعيات القانونية: سقوط الاستبداد وميلاد الميثاق الأعظم

كان لرفض مراكش المباشر تقديم أي دعم عسكري أو سياسي للملك الإنجليزي تداعيات قانونية حاسمة على الداخل الإنجليزي.

فقد جُرّد الملك تماماً من أي أوراق مناورة أو حلفاء خارجيين، مما وضعه تحت القوة القاهرة للبارونات والأساقفة.

وبعد عامين فقط من هذه السفارة الفاشلة، وتحديداً في سنة 1215م، اضطر الملك جون لمواجهة حقيقة موقفه القانوني الضعيف، حيث جرى إرغامه على توقيع “الماغنا كارتا” (Magna Carta – الميثاق الأعظم).

تعتبر الماغنا كارتا المحطة الأبرز في التاريخ القانوني الحديث لعدة أسباب سياسية ودستورية:

– إخضاع الملك للقانون: تحول التاج الإنجليزي من سلطة استبدادية مطلقة إلى سلطة مقيدة بالقانون والعرف الإقطاعي.

– تأسيس مبدأ عدم فرض الضرائب إلا بموافقة التمثيلية: حظر فرض الضرائب دون موافقة مجلس البارونات، وهو ما شكل النواة الأولى لنشوء البرلمان الحديث.

– إعادة هيكلة العقد السياسي: تحويل العلاقة بين الحاكم والمحكوم من علاقة إخضاع مطلق إلى عقد قانوني مكتوب يضمن المراجعة والمحاسبة.

خاتمة: كيف يصنع الرفض الجيو-سياسي التحولات الدستورية؟

تظهر هذه المحطة التاريخية كيف يمكن للقرارات الدبلوماسية والمواقف الجيو-سياسية الدولية أن تؤثر بشكل غير مباشر في التطور القانوني والدستوري للدول.

فلو قَبِل البلاط الموحدي عرض الملك جون ودعمه، لتغير شكل الخريطة السياسية والقانونية لأوروبا كلياً. لكن الرفض الموحدي ترك الملك الإنجليزي مكشوفاً أمام القوى المحلية، ليجبره على تقديم التنازلات القانونية التاريخية التي صاغت مفهوم “دولة القانون” والدستورية في العالم الغربي بأسره.

فيديو للمشاهدة

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *