غُرُورُ بَطَلِ الْعَالَمِ الْحَقِيرُ: الِاتِّحَادُ الْأَرْجَنْتِينِيُّ يُحَوِّلُ مُبَارَاةَ “الْبِنِينِ” إِلَى صَفْقَةِ اسْتِغْلَالٍ تِجَارِيٍّ…عَجْرَفَةُ “التَّانْغُو” وَرِبْحِيَّةُ “الْكُومْبَارْسِ”، وَإِهَانَةُ مُنْتَخَبِ الْبِنِينِ فِي الْأَرْجَنْتِينِ
تتزين منصات الإعلام الرياضي العالمي عادةً بصور الاحتفالات الباهرة والمشاهد الأسطورية للنجم “ليونيل ميسي” ورفاقه في المنتخب الأرجنتيني، حيث تبدو كل مباراة ودية يخوضها بطل العالم وكأنها مهرجان كروي محبوك بعناية. غير أن ما جرى خلف كواليس المباراة الودية التي جمعت الأرجنتين بمنتخب البنين (الملقب بـ “الفهود”) يكشف وجهاً آخر ملبداً بالعجرفة التنظيمية والاستغلال التجاري، وفق ما فجّره الصحفي الاستقصائي الفرنسي “رومان مولينا” (Romain Molina) في تسريباته الأخيرة.
كواليس الإهانة: مظاهر الاحتقار في الفنادق وصالات التدريب
لم تكن رحلة منتخب البنين إلى الأرجنتين مجرد رحلة رياضية لمواجهة بطل العالم، بل تحولت إلى تجربة قاسية تعكس استخفافاً صارخاً بكرامة الفريق الضيف.
فحسب التفاصيل التي كشفها “مولينا”، وُضعت بعثة بنين في فندق يفتقر لأبسط مقومات الراحة الإنسانية والرياضية، حيث غابت المياه الساخنة عن الغرف، وقُدمت صالة تدريب رياضية لا تحتوي إلا على جهازي جري فقط لبعثة رياضية كاملة!
ولم تتوقف المعاملة السيئة عند حدود الإقامة واللوجستيات، بل امتدت لتطال الصحة البدنية والنفسية للطاقم؛ حيث تعرض أحد أفراد طاقم تحليل الفيديو لمنتخب البنين لإغماءة حادة نتيجة الإرهاق الشديد والإجهاد الناجم عن سوء الظروف المعيشية وضغط العمل وسط إهمال تام من اللجنة المنظمة الأرجنتينية.
كما غابت عن اللقاء أدنى مظاهر الروح الرياضية والبروتوكول المعمول به عالمياً، من منع اللاعبين من التبادلات التذكارية المعتادة كقمصان المباراة، والتعامل مع البعثة الإفريقية بجفاء واستعلاء لا يليق بمؤسسة تدير بطل العالم.
السؤال اللغز: لماذا دعت الأرجنتين منتخب البنين إذا كانت تحتقره؟
يطرح المتابعون سؤالاً جوهرياً: إذا كان الاتحاد الأرجنتيني لكرة القدم يتعامل مع منتخب البنين بهذا القدر من الاحتقار والتهميش، فلماذا حرص على دعوته وبرمجة هذه المباراة من الأساس؟
الإجابة تكشف عن نموذج اقتصادي قائم على “الانتفاع والاستغلال المالي”:
1- التعظيم المالي المفرط : عندما يرغب الاتحاد الأرجنتيني في تنظيم مباراة ودية استعراضية لميسي وللمنتخب، فإن مواجهة منتخبات كبرى (أوروبية أو لاتينية) تتطلب دفع أموال طائلة مقابل حقوق المشاركة، فضلاً عن اشتراط تلك المنتخبات نسبة عالية من عائدات البث التلفزيوني ورعاة المباراة، مع إجبار الجهة المنظمة على توفير إقامة من طراز 5 نجوم وطيران خاص.
2- الخصم “الرخيص” والشروط المجحفة: في المقابل، يدرك الاتحاد الأرجنتيني أن المنتخبات الإفريقية النامية – كمنتخب البنين – تسعى بشغف خلف فرصة خوض مباراة تاريخية ضد ميسي وبطل العالم.
هذا الشغف يُستغل أبشع استغلال؛ حيث يقبل الاتحاد البنيني بمقابل مالي رمزي وضئيل جداً، ويتنازل عن شروط الإقامة المريحة. وبذلك، يضمن الاتحاد الأرجنتيني جني 100% من عائدات التذاكر، البث التلفزيوني، والإعلانات، في حين ينفق نزرًا يسيرًا على ضيافة الخصم.
3- مسرح لخدمة “النجم”: تُصمم هذه المباريات لتكون مجرد “استعراض مسرحي” تُضمن فيه الفاعلية الهجومية والنتيجة المريحة لنجوم الأرجنتين دون مخاطرة بدنية أو تكتيكية، مع تحويل الفريق الضيف إلى مجرد “كومبارس” يكتمل به مشهد الاحتفال.
الاستعلاء الرياضي وسيكولوجية التعامل مع إفريقيا
تُظهر هذه الواقعة اختلالاً أخلاقياً في إدارة الاتحاد الأرجنتيني لكرة القدم، الذي بات يمارس نوعاً من “الاستعلاء الرياضي” تجاه المنتخبات الإفريقية والنامية.
فالنظرة الدونِية للضيوف لم تقتصر على النواحي المادية، بل تجلت في تجريد الفريق الضيف حتى من كرامته الرياضية والإنسانية، مستغلاً حاجة هذه المنتخبات للظهور الإعلامي.
التداعيات ودروس للمستقبل: كيف يجب أن ترد الكرة الإفريقية؟
إن كشف هذه التفاصيل يفرض على الاتحاد الإفريقي لكرة القدم (CAF) والاتحادات الوطنية الإفريقية استخلاص دروس حاسمة:
– رفض دور “الكومبارس”: يجب على الاتحادات الإفريقية ألا تجعل من الشغف بمواجهة الكبار ذريعة القبول بالإهانة أو التنازل عن الحقوق المالية واللوجستية الأساسية.
– فرض العقود الصارمة: ينبغي وضع بنود قانونية ملزمة في عقود المباريات الودية تضمن المعاملة بالمثل، وتحدد معايير الإقامة، والمداخيل المالية، والبروتوكول الرياضي اللائق.
– حماية اللاعبين والأطقم: إن ما حدث لبعثة البنين وطاقمها الفني يجب ألا يتكرر، والكرامة الرياضية للمنتخبات الإفريقية يجب أن تقدم على أي مكاسب صورية أو التقاط صور تذكارية.
خلاصة القول، إن المباراة الودية بين الأرجنتين والبنين لم تكن مجرد تسعين دقيقة على رقعة الميدان، بل كانت مرآة كشفت الفجوة العميقة بين بريق الشاشات وحقيقة العلاقات الرياضية التجارية، محذرةً من استمرار ظاهرة استغلال الشغف الإفريقي تحت غطاء “الوديات الكبرى”.

