مَنْفَىً فِي الحَيَاةِ وَحِصَارٌ فِي المَوْتِ: عِنْدَمَا يَرْتَعِدُ الجِنِرَالَاتُ مِنْ جُثْمَانِ مُعَارِضٍ… المُعَارِضُ الجَزَائِرِيُّ الشَّرِسُ لِلنِّظَامِ العَسْكَرِيِّ “بْنُ شِيكُو” مَمْنُوعٌ مِنَ الدَّفْنِ فِي بَلَدِهِ

مَنْفَىً فِي الحَيَاةِ وَحِصَارٌ فِي المَوْتِ: عِنْدَمَا يَرْتَعِدُ الجِنِرَالَاتُ مِنْ جُثْمَانِ مُعَارِضٍ… المُعَارِضُ الجَزَائِرِيُّ الشَّرِسُ لِلنِّظَامِ العَسْكَرِيِّ “بْنُ شِيكُو” مَمْنُوعٌ مِنَ الدَّفْنِ فِي بَلَدِهِ

عبدالقادر كتـــرة

-الوطن المُسَيَّج: جمهورية الخوف التي تصادر حتى قبور أبنائها.

– وطن بصك ملكية عسكرية: لما تخاف السلطة في الجزائر من رفات قلم حر

– حتى الموتى لا يُغفر لهم: عن قسوة النظام الشمولي واختطاف الجزائر.

بن شيكو ممنوع من الدفن في بلده

تعليق لمعارض جزائري في المنفى، بعد خبر رفض النظام العسكري الجزائري الترخيص لعائلة الراحل الصحفي والكاتب المعارض الجزائري إعادة جثمان محمد بن شيكو ودفنه في الجزائر:”بحسب ابنته نزيهة، فإن السلطات الجزائرية ترفض إعادة جثمان محمد بن شيكو ودفنه في الجزائر. إذا تأكدت هذه المعلومة، فإننا نكون قد انحدرنا إلى مستوى غير مسبوق من الإهانة. رغم أن الرئيس تبون كان قد صرح قبل بضعة أشهر بأن المعارضين يمكنهم العودة إلى البلاد. لكن يبدو أن المعارضين يستمرون في إثارة الرعب حتى وهم موتى، وحتى وهم موتى يُمنعون من العودة. إن منع رجل من أن يرقد في تراب وطنه بعد وفاته سيكون بمثابة إهانة لبلدنا تفوق الوصف. أشعر بالعار!”

صحافي وكاتب جريء وصريح

بعد عامين في السجن بتهمة “إهانة شخص الرئيس”، يقوم أحد أشهر المعارضين السياسيين الجزائريين، محمد بن شيكو، مدير صحيفة “لو ماتان” المعارضة الرئيسية في الجزائر العاصمة (والتي حظرتها السلطة الآن)، بإدانة النظام الجزائري في كتاب لاذع جديد صدر للتو. وكذلك رئيسه عبد العزيز بوتفليقة، الذي وصفه بـ “صنيعة الاستبداد العربي الذي يطمح إلى إقناع الشعب بعدم الاستغناء عنه”.

قدسية الموت وسقوط الأقنعة

في كل ثقافات الأرض، وفي كل الشرائع الإنسانية والسماوية، يمثل الموت لحظة جلال تسقط أمامها كل الخصومات. الموت هو النهاية التي تُعيد الإنسان إلى أصله، وتمنح حتى ألد الأعداء هدنة أخلاقية تفرض احترام الجسد العائد إلى ترابه. لكن، يبدو أن هذه القاعدة الإنسانية البسيطة تتوقف حدودها عند أسوار “الجزائر الجديدة”.

الأخبار المتداولة حول رفض السلطات الجزائرية السماح بإعادة جثمان الكاتب والصحفي المعارض “محمد بن شيكو” ليدفن في وطنه، لا تمثل مجرد إجراء إداري أو أمني، بل هي وثيقة إدانة تاريخية تكشف العقلية التي تُدار بها البلاد.

الوطن كـ “ملكية خاصة” ومحفّظة

لم تعد الجزائر، في ظل هذه الممارسات، دولة مؤسسات تتسع لجميع أبنائها، بل تحولت إلى ما يشبه “الملكية الخاصة” والمُحفّظة حصرياً باسم الطغمة العسكرية.

لقد تم تسييج جغرافيا البلد بأكملها، براً وبحراً وجواً، بأسلاك شائكة من الخوف والمقاربات الأمنية المتصلبة.

في هذه “الثكنة الكبيرة”، لا يُنظر إلى المواطن على أنه صاحب حق أصيل في أرضه، بل كـ “مُستأجر” يمكن طرده في حياته، وحرمانه من حفرة تأويه بعد مماته، إذا ما تجرأ على امتلاك صوت يغرد خارج السرب.

دكتاتورية هشة ترتعد من رفات

إن منع معارض متوفى من العودة في كفن، يطرح تساؤلاً جوهرياً حول طبيعة هذا النظام الشمولي: ممَّ يخاف الجنرالات؟ كيف لترسانة عسكرية ضخمة، وأجهزة استخباراتية متشعبة، وسلطة تحتكر كل مقدرات الدولة، أن ترتعد من مجرد جثمان؟ الجواب يكمن في “هشاشة الاستبداد”.

الأنظمة الشمولية التي تفتقد للشرعية الشعبية الحقيقية، تعيش في حالة رعب دائم من الرمزيات. محمد بن شيكو، الذي قضى سنوات في السجن لأنه تجرأ على تعرية الوهم في كتابه الشهير حول بوتفليقة، يمثل بقلمه وبثباته فكرة.

والأفكار، كما هو معلوم، لا تموت بموت أصحابها. السلطة لا تخاف من الجسد المسجى، بل تخاف من الجنازة التي قد تتحول إلى استفتاء شعبي صامت، وتخاف من القبر الذي قد يصبح مزاراً يذكّر الأجيال القادمة بأن هناك من قال “لا” ودفع الثمن.

قسوة بلا حدود.. وانعدام للإنسانية

تتجاوز هذه الحادثة مفهوم “الخلاف السياسي” لتصل إلى مستوى غير مسبوق من الخبث السياسي وانعدام البعد الإنساني.

إن معاقبة العائلة والأبناء، والتشفي في الموتى، هي سلوكيات تعكس قسوة وعقلية انتقامية لا تليق برجال دولة، بل بـ “عصابات” تصفي حساباتها حتى وراء الموت.

إنها رسالة ترهيب موجهة لكل صوت حر داخل الجزائر أو في الشتات: “نحن نملك حق الحياة، ونملك حق الموت، ونملك الأرض وما تحتها.. ولن تجدوا حتى شبراً يحتوي رفاتكم إن عارضتمونا”.

ختاما، الأرض باقية وخاطفوها عابرون

في النهاية، قد ينجح النظام العسكري في الجزائر في منع جثمان محمد بن شيكو من معانقة تراب وطنه الذي أحبه ودافع عنه بطريقته وقلمه.

قد ينجح في إبقاء الوطن مخطوفاً ومسيجاً إلى حين. لكن التاريخ يعلمنا أن الأوطان لا تُختزل في صكوك ملكية مؤقتة بيد جنرال هنا أو حاكم هناك. منع بن شيكو من قبر في الجزائر لن يمحو اسمه من ذاكرتها، بل حوّله إلى أيقونة خالدة.

سيبقى منفياً في مقابر الغربة، لكنه سيسكن صفحات التاريخ كشاهد على نظام بلغ به العجز والشمولية حدّ محاربة الموتى، بينما سيمضي خاطفو الوطن يوماً ما، ولن تذكرهم الأرض التي احتكروها إلا كحقبة مظلمة عابرة.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *