الْمَغْرِبُ أَوَّلًا.. سِيَادَةُ الْقَرَارِ وَوَاجِبُ حِمَايَةِ الْوَطَنِ فِي زَمَنِ خِذْلَانِ “الْأَشِقَّاءِ”: سُقُوطُ وَرَقَةِ التُّوتِ.. لِمَاذَا يَحِقُّ لِلْمَغْرِبِ أَنْ يُدِيرَ ظَهْرَهُ لِشِعَارَاتِ الْوَهْمِ وَيَبْنِيَ تَحَالُفَاتِ الْوَاقِعِ؟
عبدالقادر كتـــرة
في العلاقات الدولية، لا مكان للعواطف، ولا قيمة للشعارات إذا لم تكن مسنودة بمواقف حقيقية على الأرض.
لقد أثبتت الذاكرة السياسية الحديثة للمملكة المغربية أن الارتهان إلى “الإجماع العربي” أو “التضامن القومي” لم يكن يوماً كافياً لحماية المصالح العليا للوطن. ومن هذا المنطلق، لم يعد تغيير المغرب لبوصلة تحالفاته الاستراتيجية مجرد “خيار سياسي”، بل هو حق سيادي أصيل وواجب وطني مقدس تفرضه ضرورة حماية أمنه القومي ووحدته الترابية( كما جاء في منشور على الفيسبوك للسيدة نجاة اليعقوبي).
إذا قلبنا صفحات التاريخ القريب، سنجد أن المغرب كان دائماً السبّاق لمد يد العون، لكنه قوبل في محطات مفصلية بـ”طعنات” أو في أحسن الأحوال بصمت مريب ممن يفترض أنهم “أشقاء”.
حينما تعرضت الحدود المغربية للهجوم عام 1963 (حرب الرمال)، اصطفت أغلب الدول العربية مع الجزائر، وبعضها أرسل قوات عسكرية لهزيمة المغرب.
وحينما طالبت الرباط بحقوقها التاريخية في أراضي شنقيط، ساند العرب (وعلى رأسهم تونس بورقيبة) سلخها عن امتدادها المغربي.
الخذلان لم يقف عند الحدود السياسية، بل امتد ليمس دماء المغاربة.
ففي حرب الجولان (1973)، قدم المغرب خيرة أبنائه، ليتفاجأ بتخلي القيادة السورية عن الكتيبة المغربية ورفع الغطاء الجوي عنها في أكبر حركة خيانة كادت أن تؤدي لطحن الجنود المغاربة لولا التدخل التاريخي للزعيم العراقي الراحل صدام حسين، الذي أرسل طائراته لتأمين انسحابهم من أمام خمسة فيالق دبابات إسرائيلية.
وحين نستحضر مأساة “المسيرة الكحلاء”، عندما طرد النظام الجزائري 350 ألف مغربي، شيوخاً ونساءً وأطفالاً، يوم عيد الأضحى عام 1975، جُردوا من ممتلكاتهم وشُردوا في العراء، لم نسمع صوتاً عربياً واحداً يندد بهذا التطهير العرقي.
وفي قضية الصحراء المغربية، هبت دول عربية من سوريا إلى ليبيا القذافي لدعم عصابة انفصالية مسلحة لتقسيم المغرب.
وحتى القضية الفلسطينية، التي اقتسم المغاربة رغيفهم لدعمها وبنوا المستشفيات والجامعات لفائدتها، قوبلت بجلوس قياداتها من ياسر عرفات إلى محمود عباس مع زعماء الانفصال دون أدنى حرج دبلوماسي.
في المقابل، عندما تندلع الأزمات مع القوى الغربية، يجد المغرب نفسه وحيداً في مواجهة تكتلات مؤسساتية صلبة.
في أزمة “جزيرة ليلى” (2002)، ساند العرب إسبانيا أو التزموا الصمت، بينما اصطف الاتحاد الأوروبي بقوة خلف مدريد.
وتكرر المشهد في أزمة الهجرة نحو سبتة المحتلة، حيث جندت إسبانيا أوروبا كلها للضغط على المغرب، ولم يجرؤ العرب على النطق بكلمة تنديد واحدة أو الجهر بمغربية سبتة ومليلية والجزر المحتلة.
بل إن التناقض بلغ مداه حين غض العرب الطرف عن إرهاب جبهة البوليساريو المدعوم من الجزائر، تماماً كما صمتوا عن دعم نظام الجزائر وإيران لميليشيات الحوثي لاستهداف أمن المملكة العربية السعودية.
حتى في الرياضة، حيث استضاف المغرب تظاهرات قارية مبهرة وفر فيها كل سبل الراحة للجميع، لم يسلم من التآمر ومحاولات الإفشال والتشويش.
الواجب السيادي: لا سند لنا إلا أنفسنا
أمام هذا السجل المثقل بالخذلان والنفاق الدبلوماسي والمتاجرة بالقضايا الكبرى، كان لزاماً على الدولة المغربية أن تمارس حقها السيادي وتنهض بواجبها الدستوري والتاريخي: حماية الوطن.
لم يعد المغرب يبحث عن إرضاء أطراف تحترف رفع الشعارات وتضمر العداء. لقد تحول المغرب نحو بناء شراكات استراتيجية تقوم على مبدأ “الرابح-الرابح” وتحالفات ذات ثقة ومصداقية توفر دعماً بلا شروط ولا قيود.
من حق المغرب، بل من واجبه، أن يطوي صفحة العواطف ويبني علاقاته بناءً على المصالح الحيوية، وعلى رأسها قضية وحدته الترابية.
وقد لخص العاهل المغربي، الملك محمد السادس، هذه العقيدة الدبلوماسية الجديدة بوضوح تام حين أكد أن “ملف الصحراء هو النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم”.
هذا هو المعيار الجديد: من يحترم سيادة المغرب ووحدته الترابية فهو الحليف، ومن يلعب على الحبلين لا مكان له في معادلة المغرب الجديد.
لذلك، فإن انفتاح المغرب على قوى دولية وازنة، وتنويع شركائه أمنياً واقتصادياً ودبلوماسياً، وعودته القوية إلى عمقه الإفريقي، وتوقيعه اتفاقيات تعزز تفوقه الجيواستراتيجي، هي خطوات لا تحتاج إلى تبرير لأحد.
هي ممارسة خالصة للسيادة الوطنية لدولة قوية ترفض أن تكون رهينة لابتزاز الإيديولوجيات البائدة.
المستقبل لا يُبنى بالشعارات الرنانة وصكوك الغفران القومية، بل يبنى بالدولة الوطنية القوية، الدولة الأمة، التي تحمي مصالح شعبها. فلتبقَ شعارات المتاجرين بالأزمات لهم، وليغرقوا في تناقضاتهم.
أما هنا، في هذه الأرض الممتدة من طنجة إلى الكويرة، فلا صوت يعلو فوق مصلحة الأمة المغربية.. ليس لنا إلا الله، وملكنا، وأرضنا، وشعبنا.
المغرب أولاً.. والمغرب أخيراً.. والمغرب إلى الأبد.

