“تَمَغْرِبِيتْ” وَالتَّعَايُشُ: رِسَالَةُ الْمَمْلَكَةِ إِلَى عَالَمٍ تَتَقَاذَفُهُ خِطَابَاتُ الْكَرَاهِيَّةِ…. كَيْفَ جَعَلْنَا مِنْ اخْتِلَافِ الْعَقَائِدِ وَاللُّغَاتِ رَأْسَ مَالٍ لَا يُقَدَّرُ بِثَمَنٍ؟

“تَمَغْرِبِيتْ” وَالتَّعَايُشُ: رِسَالَةُ الْمَمْلَكَةِ إِلَى عَالَمٍ تَتَقَاذَفُهُ خِطَابَاتُ الْكَرَاهِيَّةِ…. كَيْفَ جَعَلْنَا مِنْ اخْتِلَافِ الْعَقَائِدِ وَاللُّغَاتِ رَأْسَ مَالٍ لَا يُقَدَّرُ بِثَمَنٍ؟

عبدالقادر كتـــرة

في زمنٍ تتسيد فيه منصات التواصل الاجتماعي، وتنتشر فيه مقاطع الفيديو بسرعة البرق، لم يعد مستغرباً أن نصادف شهادات عفوية لأجانب من مختلف الجنسيات والديانات، يقفون في ساحات مدننا أو أزقتها العتيقة، ليخبروا العالم أجمع بعبارة بسيطة وعميقة في آنٍ واحد: “هنا في المغرب، أمارس معتقداتي وحياتي بحرية تامة وبدون أي خوف”.

هذه المقاطع، التي كثيراً ما يرافقها نداء عفوي من صناع المحتوى المغاربة لدحض الصور النمطية الخاطئة عن بلدهم، ليست مجرد ومضات عابرة أو حملات إعلانية مدفوعة، بل هي انعكاس حقيقي لواقع معاش، وترجمة حرفية لمفهوم “التعايش” الذي يتنفسه المغاربة منذ قرون.

أكثر من مجرد “تسامح

عندما نتحدث عن التعايش في المغرب، فنحن لا نتحدث عن “تسامح” تفرضه قوانين حديثة أو تمليه بروتوكولات دولية، بل نتحدث عن “تمغربيت”؛ تلك الشفرة الجينية الثقافية التي صهرت عبر التاريخ روافد عربية، وأمازيغية، وحسانية، وعبرية، وأندلسية، وإفريقية في بوتقة واحدة.

تاريخنا حافل بالشواهد؛ فالمغرب كان الملاذ الآمن للفارين من محاكم التفتيش في الأندلس، مسلمين ويهوداً على حد سواء. ومؤسسة “إمارة المؤمنين” لم تكن يوماً مظلة للمسلمين وحدهم، بل كانت درعاً واقياً لكل من يعيش على هذه الأرض، وهو ما تجلى في أبهى صوره حين رفض المغفور له الملك محمد الخامس تسليم اليهود المغاربة لنظام فيشي النازي، معتبراً إياهم “رعايا مغاربة كغيرهم”.

اليوم، يتجسد هذا الإرث في الجغرافيا كما في القلوب؛ حيث تتعانق مآذن المساجد مع أبراج الكنائس وأسوار البيع (الكُنُس اليهودية) في العديد من المدن المغربية، في مشهد لا يثير استغراب المغربي بقدر ما يبعث على طمأنينة الزائر.

التعايش.. القوة الناعمة والمحرك الاقتصادي

في عالم اليوم، الذي يشهد تصاعداً مقلقاً لخطابات الكراهية، والتطرف، و”الإسلاموفوبيا”، لم يعد التعايش مجرد قيمة أخلاقية أو ترفاً فكرياً، بل أصبح ركيزة أساسية للأمن القومي ورافعة من روافع التنمية الاقتصادية.

المستثمر الأجنبي، والمتقاعد الأوروبي، و”الرّحال الرقمي”، والسائح العالمي.. جميع هؤلاء لا يبحثون فقط عن شمس مشرقة أو إعفاءات ضريبية، بل يبحثون أولاً عن “الأمان النفسي والاجتماعي”. إنهم يبحثون عن مجتمع لا يرمقهم بنظرات الريبة، ولا يصادر حرياتهم الشخصية أو الدينية. وهنا تبرز العبقرية المغربية؛ حيث توفر المملكة بيئة حاضنة تجعل الغريب يشعر وكأنه في وطنه، مما يحول هؤلاء الوافدين إلى سفراء دائمين، ومستثمرين يساهمون في تحريك عجلة الاقتصاد الوطني.

مسؤولية الأجيال القادمة

إن هذا الرصيد الاستثنائي الذي يتمتع به المغرب ليس معطىً جامداً أو محصناً ضد التحديات. ففي عصر العولمة الرقمية والانفتاح الإعلامي، تتزايد أهمية تحصين أجيالنا الصاعدة ضد تيارات الانغلاق والتعصب التي قد تتسرب عبر الحدود الافتراضية.

مسؤوليتنا اليوم، كإعلاميين، ومربين، ومواطنين فاعلين، هي نقل هذه “الرواية المغربية” إلى العالم بأسلوب مؤسساتي ممنهج. لا يجب أن نكتفي بانتظار شهادة أجنبي لنشعر بالفخر، بل يجب أن نجعل من ثقافة التعايش مادة تُدرس في المدارس، وتُسلط عليها الأضواء في الدراما والسينما والإعلام المحلي.

المغرب لم يكن يوماً بلداً يكتفي باستيعاب الاختلاف، بل هو بلد يحتفي به ويعتبره مصدر ثروة وغنى. وفي عالم يضيق بساكنيه، يظل المغرب رسالة أمل مفتوحة.. رسالة مفادها أن اختلاف الأديان واللغات ليس مدعاة للصراع، بل هو أجمل لوحة فسيفساء يمكن للإنسانية أن ترسمها.

فيديو للمشاهدة

 

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *