فَضِيحَةٌ تَارِيخِيَّةٌ لِقَبْرِ “مَاسِينِيسَا” فِي قُسَنْطِينَةَ كَشَفَتْهَا تِقْنِيَاتُ الْأَشِعَّةِ الْأَلْمَانِيَّةِ: لَجَأَتِ الْجَزَائِرُ إِلَى حِيلَةٍ دَنِيئَةٍ عَبْرَ دَسِّ أَوَانٍ فَخَّارِيَّةٍ فِي ضَرِيحٍ أَثَرِيٍّ لِمُحَاوَلَةِ سَرِقَةِ طَبَقِ “الْكُسْكُسِ”
عبدالقادر كتـــرة
آلة التزييف الخبيثة والدنيئة الجزائرية لم تتوقف عند حدود الطبخ واللباس والتقاليد.. بل دنست القبور التاريخية:
سجل وفد ألماني فضيحة تاريخية لقبر “ماسينيسا” في قسنطينة بالجزائر (الذي يعتقد أن ليس قبره بل هو مدفون في تونس)، حين تم اللجوء إلى حيلة دنيئة عبر دس أواني فخارية في ضريح أثري لمحاولة سرقة طبق “الكسكسي”، قبل أن تفضح تقنيات الأشعة الألمانية هذه المسرحية وتثبت أن التاريخ الحقيقي والنقوش الموثقة تقبع في مدينة دقة التونسية.
ساحة المعركة الجديدة لم تعد الحروب تُخاض بالدبابات والخنادق فقط، بل انتقلت إلى شاشات الهواتف الذكية وصفحات ويكيبيديا. في منطقتنا المغاربية، نشهد ظاهرة مقلقة تتصاعد يومياً: “حروب التراث”.
من أطباق الكسكس والطاجين، مروراً بالزليج والقفطان، وصولاً إلى استدعاء ملوك نوميديا وقادة الأندلس.
تحولت الرموز الثقافية والتاريخية إلى ذخيرة حية في صراع افتراضي محتدم، هدفه الأول والأخير هو “الاستحواذ الحصري” وإلغاء الآخر.
– القسم الأول: أزمة الدولة الوطنية ومحاولة “تأميم” التاريخ
لفهم هذا الهوس المتزايد بادعاء امتلاك التراث، يجب أن نعود إلى سيكولوجيا بناء “الدولة الوطنية الحديثة”. بعض التوجهات القومية، في سعيها الحثيث لترسيخ شرعيتها، تجد نفسها في حاجة ماسة إلى سردية تاريخية صلبة.
ولأن التاريخ الحقيقي للمنطقة متشابك ولا يعترف بالحدود السياسية الحديثة التي رُسمت في القرنين التاسع عشر والعشرين، يتم اللجوء إلى “تأميم التاريخ”؛ أي محاولة حشر امبراطوريات عابرة للقارات (كقرطاج، ونوميديا، والمرابطين، والموحدين) داخل حدود خرائط اليوم.
هذا العجز عن استيعاب التداخل التاريخي يولد رغبة مرضية في اختطاف الرموز ونسبتها إلى كيانات حديثة.
– القسم الثاني: متلازمة “الاستحواذ الثقافي” وإلغاء الآخر
المشكلة لا تكمن في الاعتزاز بالتراث، بل في “عقلية الإلغاء”. حين يُطالب طرف ما باحتكار طبق طعام يعود لآلاف السنين، أو لباس تقليدي تطور عبر قرون من التبادل التجاري والثقافي، فهو لا يدافع عن هويته بقدر ما يكشف عن “عقدة نقص” تجاه تجذر الآخرين.
الاستحواذ هنا يأخذ شكلاً عكسياً: محاولة مصادرة إرث الجار وادعاء أنه الأصل، بل واختلاق روايات، وتزوير نقوش، أو دس قطع أثرية في غير سياقها لإثبات سردية هشة، تماماً كما تفضح التقنيات الحديثة والبعثات الأثرية المستقلة أي محاولة لتطويع التاريخ لأغراض سياسية.
– القسم الثالث: دور السوشيال ميديا في تسطيح الوعي
الخطر الأكبر اليوم هو أن خوارزميات مواقع التواصل الاجتماعي تتغذى على الغضب والتطرف. لقد تحول الملايين من المستخدمين إلى “حراس وهميين” لهويات لا يفهمون تعقيداتها الأكاديمية.
يتم اجتزاء مقاطع فيديو، وتزوير خرائط، ونشر شائعات تاريخية (مثل قصة اكتشاف أواني حديثة في مدافن أثرية) لتصبح حقائق مطلقة يتداولها العوام، مما يخلق شرخاً شعبياً حقيقياً، ويحول التنوع الثقافي الإقليمي الذي كان يُفترض أن يكون مصدر قوة ونفوذ ناعم للمنطقة ككل، إلى نقطة ضعف مثيرة للشفقة أمام العالم.
ختاما، الشجرة لا تخفي جذورها في النهاية، التراث الحي يتحدث عن نفسه. المدن العتيقة، والمعمار العريق، والتقاليد الحية المتوارثة جيلاً بعد جيل لا تحتاج إلى حملات إلكترونية لإثبات أصالتها.
التاريخ كالماء، لا يمكن الإمساك به في قبضة اليد أو حصره بمرسوم سياسي. ملوك الأمس وأبطاله لم يحملوا جوازات سفر حديثة، والتراث الذي استمر لآلاف السنين سيبقى أطول عمراً من الدول التي تحاول اليوم اختطافه.
القوة الحقيقية تكمن في الثقة بالجذور، فمن يمتلك التاريخ ليس بحاجة لسرقته، ومن يثق بهويته لا يخشى من مشاركتها.

