40 مِلْيَارَ يُورُو فِي أَلْمَانِيَا وَقَطِيعَةٌ فِي الْجَزَائِرِ.. ثَمَنُ الْإِيدِيُولُوجِيَا فِي عَصْرِ الِاقْتِصَادِ: بَيْنَمَا تَبْنِي بَرْلِينُ مُسْتَقْبَلَهَا الرَّقْمِيَّ.. كَيْفَ خَسِرَتِ الْجَزَائِرُ حَلِيفًا اِسْتِرَاتِيجِيًّا بِوَزْنِ الْإِمَارَاتِ ؟
عبدالقادر كتـــرة
في مشهدين متناقضين يختزلان تحولات السياسة الدولية المعاصرة، كانت أبواب برلين تُفتح على مصراعيها لاستقبال استثمارات إماراتية بقيمة 40 مليار يورو، بينما كانت الجزائر تغلق مجالها الجوي وتنهي علاقاتها الدبلوماسية مع أبوظبي.
هذا التناقض الصارخ لا يعكس فقط اختلافاً في الرؤى الدبلوماسية، بل يطرح تساؤلات عميقة حول تكلفة التمسك بالسياسات الإيديولوجية في عصر تحكمه لغة الأرقام والمصالح المشتركة.
براغماتية برلين.. الاستثمار في المستقبل ألمانيا، القوة الصناعية الأكبر في أوروبا، لم تتردد في استقبال رأس المال الإماراتي لدعم تحولها الرقمي. الاستثمار الضخم الموجه لبناء مراكز بيانات متطورة وبنية تحتية للذكاء الاصطناعي، يؤكد أن برلين تنظر إلى الإمارات كحليف موثوق، وملتزم، وغني.
برلين تدرك أن ضخ دماء جديدة في شرايين اقتصادها المتباطئ يتطلب شركاء يمتلكون رؤية مستقبلية وملاءة مالية سيادية. العلاقات هنا تُبنى على حسابات المستقبل، لا على صراعات الماضي، مما يعكس نضجاً سياسياً يضع رفاهية المواطن وتطور الدولة فوق أي اعتبار آخر.
-خسارة الجزائر.. فاتورة العزلة الدبلوماسية
على الضفة الأخرى، اختارت الجزائر مساراً مغايراً. بقطع علاقاتها مع الإمارات بناءً على تباينات جيوسياسية في منطقة الساحل والصحراء، لم تخسر الجزائر مجرد شريك دبلوماسي، بل فقدت حليفاً استراتيجياً يمتلك أحد أكبر الصناديق السيادية في العالم.
في وقت تحتاج فيه الجزائر بشدة إلى تنويع اقتصادها المعتمد كلياً على تقلبات أسعار النفط والغاز، وتحديث بنيتها التحتية المتهالكة، تبدو هذه القطيعة بمثابة تفويت لفرصة تاريخية.
الجزائر، التي تواجه تحديات ديموغرافية واقتصادية ملحة، كانت في أمس الحاجة إلى تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر. المشاريع التي كان يمكن إنجازها بالشراكة مع الإمارات في قطاعات الموانئ، والطاقة المتجددة، والتكنولوجيا، كانت ستشكل رافعة حقيقية للتنمية.
بخسارة هذا الحليف الملتزم، تضع الجزائر ثقلاً إضافياً على خزينتها العامة، وتتخلى طوعاً عن نقل التكنولوجيا والخبرات الإدارية التي ترافق الاستثمارات الإماراتية أينما حلت. رأس المال الذي يبني اليوم “سفارات البيانات” في قلب أوروبا، كان يمكن أن يُسهم في بناء نهضة اقتصادية في شمال إفريقيا.
في عالم اليوم، لم تعد التحالفات تُقاس بمدى التطابق في الشعارات السياسية، بل بالقدرة على خلق مصالح اقتصادية مستدامة. وبينما تضمن ألمانيا لنفسها موقعاً متقدماً في اقتصاد الغد، تجد الجزائر نفسها أمام تحدٍ مزدوج: إدارة عزلتها الإقليمية المتزايدة، والبحث عن بدائل اقتصادية قادرة على تعويض غياب شريك مالي بحجم الإمارات.

