حِينَ تَصْبَحُ الْأُغْنِيَةُ تُهْمَةً: شَابٌّ مُغَنِّي الرَّابْ وَضَرِيبَةُ الْكَلِمَةِ الْحُرَّةِ فِي الْجَزَائِرِ، ثَمَنُهَا سَنَةٌ سِجْنًا نَافِذًا… مِنَ الْمِيكْرُوفُونِ إِلَى الزِّنْزَانَةِ: عِنْدَمَا يُعَاقَبُ الْفَنَّانُ نِيَابَةً عَنْ أَزَمَاتِ الْمُجْتَمَعِ

حِينَ تَصْبَحُ الْأُغْنِيَةُ تُهْمَةً: شَابٌّ مُغَنِّي الرَّابْ وَضَرِيبَةُ الْكَلِمَةِ الْحُرَّةِ فِي الْجَزَائِرِ، ثَمَنُهَا سَنَةٌ سِجْنًا نَافِذًا… مِنَ الْمِيكْرُوفُونِ إِلَى الزِّنْزَانَةِ: عِنْدَمَا يُعَاقَبُ الْفَنَّانُ نِيَابَةً عَنْ أَزَمَاتِ الْمُجْتَمَعِ

عبدالقادر كتـــرة

نددت منظمة شعاع لحقوق الإنسان في الجزائر باعتقال ومحاكمة والحكم على مغني الراب الشاب الجزائري زكرياء قارة سليمان، المعروف فنيًا باسم ZD4، بسنة سجن نافذا، وأكدت أن العبارات الحادة أو الصادمة في الأغنية التي أطلقها في يونيو 2026، لا تبرر، في حد ذاتها، اللجوء إلى العقوبات السالبة للحرية، وتدعو إلى الإفراج عن زكرياء قارة سليمان (ZD4) واحترام حق الفنانين في التعبير عن آرائهم وانتقاد الشخصيات والسياسات العامة دون أن يقود ذلك إلى سجنهم. وجاء في بيان أصدرته بالمناسبة:

“أصدرت محكمة تلمسان، يوم 29 غشت 2026، حكمًا يقضي بسنة حبس نافذ في حق مغني الراب زكرياء قارة سليمان، المعروف فنيًا باسم ZD4، مع إيداعه الحبس عقب محاكمته وفق إجراءات المثول الفوري، على خلفية أغنية راب أطلقها في يونيو 2026. وقد وُجهت إليه عدة تهم، من بينها جنحة إهانة رئيس الجمهورية.

وكانت الشرطة في تلمسان قد أوقفت ZD4 يوم 28 غشت 2026، حيث خضع للتحقيق ووُضع تحت النظر إلى غاية اليوم التالي، قبل تقديمه أمام وكيل الجمهورية لدى محكمة تلمسان، الذي أحاله إلى المحاكمة وفق إجراءات المثول الفوري. وفي اليوم نفسه، صدر بحقه حكم بسنة حبس نافذ مع إيداعه الحبس.

وتناولت الأغنية التي كانت محل المتابعة الأوضاع الاجتماعية والسياسية في المنطقة، وتطرقت إلى التهميش والحقرة والفقر والهجرة غير النظامية، مع تركيز خاص على الشعبين الجزائري والمغربي.

وعبّر ZD4 من خلالها عن أن الشعبين يواجهان همومًا ومشكلات اجتماعية متشابهة، وأن شبابًا من الجانبين تدفعهم الظروف الاجتماعية وانسداد الآفاق إلى ركوب قوارب “الحرقة” هربًا من البؤس وبحثًا عن مستقبل أفضل.

وفي مقابل التوتر السياسي بين البلدين، حملت الأغنية رسالة تدعو إلى التقارب بين الشعبين الجزائري والمغربي بدل تغذية الخلاف والفتنة بينهما. وقدّم ZD4 الراب باعتباره وسيلة للتعبير عن الواقع وإيصال رسالة تجمع الشعوب، لا أداة للمزايدة أو السخرية من الآخر، موضحًا في مضمون الأغنية أن انتقاداته تستهدف أنظمة الحكم وليس الشعبين.

ورغم أن الأغنية تضمنت عبارات حادة، فإن المعايير الدولية تمنح حماية واسعة للخطاب السياسي، بما في ذلك التعبيرات التي قد تُعد مسيئة أو صادمة تجاه الشخصيات العامة. ومن هذا المنطلق، فإن الحكم على فنان بالحبس بسبب كلمات أغنية يطرح إشكالًا جديًا بشأن استخدام السجن لمعاقبة التعبير الفني والسياسي….”.

لا يُفترض بالفن أن يكون مهادناً، بل وُجد ليكون مرآة عاكسة لتجاعيد المجتمع وأزماته. لكن في الجزائر، يبدو أن هذه المرآة تُكسر عمداً كلما عكست حقيقة لا تروق للسلطة.

في أواخر غشت 2026، أُضيف اسم مغني الراب زكرياء قارة سليمان (ZD4) إلى قائمة متزايدة من الفنانين والنشطاء الذين دفعوا حريتهم ثمناً لكلمة حرة، إثر حكم بسنة حبس نافذ بتهمة “إهانة رئيس الجمهورية” بسبب أغنيته الجريئة “زوج بغال”.

لم تكن الأغنية دعوة للتمرد، ولم تحمل تحريضاً على العنف. كانت ببساطة صرخة شاب تلمساني يقف على الحدود المغلقة، يراقب بؤس الحال وانقطاع الأوصال.

غنى زكرياء عن آلاف الشباب من الجزائر والمغرب الذين تجمعهم “فلوكة لاميزير” (قوارب الموت) هرباً نحو المجهول. انتقد بشراسة استغلال الشباب والفتيات بسبب الفقر، وتفشي المخدرات، موجهاً أصابع الاتهام للأنظمة السياسية التي تتغذى على الخلافات، وداعياً إلى تقارب الشعوب بعيداً عن المزايدات الرسمية.

عوضاً عن التقاط الرسالة العميقة التي تعبر عن جيل كامل يشعر بانسداد الأفق، اختارت السلطات المقاربة الأمنية العقابية.

محاكمة سريعة وفق إجراءات “المثول الفوري” أثبتت أن الفضاء العام في الجزائر يضيق تدريجياً بأي صوت يغرد خارج السرب. تهمة “الإهانة” باتت سيفاً مسلطاً على رقاب المبدعين، تُستخدم لتجريم النقد السياسي والاجتماعي، ضاربة عرض الحائط بكل المعايير الدولية التي تكفل حماية الخطاب الفني، حتى وإن جاء بعبارات حادة أو صادمة.

سجن ZD4، وقبله أمين بوقندورة وجميلة بن طويس، يطرح تساؤلاً جوهرياً حول واقع الحريات في البلاد.

تكميم أفواه الشباب وإسكات موسيقى الراب—التي تمثل صحافة الشارع البديلة—لا يحل أزمة الهجرة غير النظامية ولا يقضي على البطالة، بل يكرس اليأس ويعمق الاغتراب الذي يعيشه المواطن داخل وطنه.

المجتمعات القوية تُبنى بالنقاش المفتوح وتتسع لحرية التعبير، أما مصادرة الكلمة فهي دليل ارتباك لا دليل استقرار. الاستماع إلى أغنية قاسية تشخص المرض خير من معاقبة الطبيب، وأفضل بكثير من الاستيقاظ على فواجع قوارب الموت التي تبتلع أحلام شباب صُودر حقه في الكلام.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *