غِطَاءُ التَّضَامُنِ وَفَخُّ الْخِدَاعِ لَدَى الْجَزَائِرِيِّ: كَيْفَ تَحَوَّلَتْ مَآسِي الْمَنْكُوبِينَ إِلَى فَخٍّ تَسْوِيقِيٍّ لِاسْتِنْزَافِ جُيُوبِ الْمُتَعَاطِفِينَ وَالِاسْتِعَانَةِ بِـ”أَشْبَاهِ الْمَشَاهِيرِ” لِاصْطِيَادِ الْمُتَبَرِّعِينَ؟
عبدالقادر كتـــرة
تحولت المبادرة الإنسانية المخصصة لدعم ضحايا حرائق الجزائر في ضواحي باريس من حملة تضامنية نبيلة إلى أزمة تواصلية ومادة للسخرية، وذلك بعد الاعتماد على شخص يشبه الفنان “مستر غيمس” للترويج لها، مما أثار اتهامات بالخداع والاستخفاف بعقول المتبرعين.
تعاونت مخبزة في مدينة أرجونتوي مع جمعية جزائرية لبيع حلويات بألوان العلم الجزائري لدعم ضحايا الحرائق، لكنها اعتمدت في الترويج على فيديو يظهر فيه شخص شديد الشبه بالمغني الكونغولي “ميتر غيمس” مرتدياً قميص المنتخب الجزائري.
وأدى هذا الشبه إلى اعتقاد واسع بأن الفنان العالمي يدعم الحملة شخصياً، قبل أن يتبين أنه مجرد “شبيه”، مما اعتبره الكثيرون محاولة متعمدة للتحايل واستغلال صورة المشاهير دون إذنهم لجلب التبرعات.
” تجارة الأزمات في زمن “السوشيال ميديا”.. الغاية الإنسانية النبيلة لا تبرر الوسيلة غير الأخلاقية”.
العمل الخيري في جوهره هو أسمى تجليات التكافل البشري، وهو عقد أخلاقي غير مكتوب مبني على الثقة المطلقة والشفافية بين المتبرع والجهة المنظمة لتخفيف وطأة الألم عن المحتاجين. لكن، في عصر هيمنة منصات التواصل الاجتماعي واللهاث وراء التفاعل السريع، بدأت هذه الثقة تتعرض لطعنات غادرة تحت مسمى “الترويج”.
ما نشهده اليوم من مبادرات تدعي جمع التبرعات لضحايا الكوارث في الجزائر، وتلجأ إلى التضليل، يطرح تساؤلات عميقة حول الانحدار الأخلاقي في استغلال مآسي الشعوب وجراحهم.
عندما تلجأ هذه الجهة الجزائرية تدعي العمل الإنساني إلى توظيف حيل بصرية ووسائل مزورة، كاستخدام شخص شديد الشبه بنجم عالمي معروف لإيهام الناس بأن هذا الفنان يدعم الحملة شخصياً ويشارك فيها، فنحن هنا لم نعد أمام مبادرة تضامنية، بل أمام عملية “اصطياد” ممنهجة.
هذا الاستخدام المتعمد للتزييف ليس مجرد زلة تواصلية عابرة أو خطأ في التقدير، بل هو فخ غير أخلاقي يستغفل وعي المتبرعين ويستغل عاطفتهم الصادقة تجاه المنكوبين. إنها محاولة مكشوفة لاختطاف الأنظار، وجمع الأموال عبر تضليل الجمهور، وبيعهم وهماً مغلفاً بشعارات إنسانية لتسهيل فتح محافظهم.
الخطورة الحقيقية لمثل هذه الممارسات الاستدراجية لا تتوقف عند حدود السخرية والتهكم التي تضج بها المنصات الرقمية فور انكشاف الخدعة، بل تمتد لتضرب في صميم العمل المدني وتهدم أسسه.
المتبرع الذي يكتشف أنه سقط ضحية استدراج رخيص وتلاعب نفسي، تتولد لديه قناعة مشروعة بأن الجهة التي كذبت في وسيلة الترويج لن تتورع عن الكذب والتلاعب في مصير الأموال المجموعة.
النتيجة الحتمية والدامية لهذا العبث هي تجفيف منابع الخير، وإفقاد المجتمع الثقة في المبادرات الجادة، مما يؤدي في النهاية إلى حرمان المتضررين الحقيقيين—الذين فقدوا منازلهم وأرزاقهم وسط النيران—من المساعدات التي كانوا في أمس الحاجة إليها.
المأساة الإنسانية ليست سلعة رخيصة تحتاج إلى واجهات مزيفة لتسويقها، ولا تتحمل بهلوانيات تسويقية تفرغ التضامن من محتواه الروحي والجاد. التبرع قرار ينبع من الضمير، وأي محاولة للتلاعب بهذا الضمير عبر التزوير البصري أو الادعاء الكاذب هي خيانة صريحة للأمانة واستخفاف بعقول الناس. لقد حان الوقت لفرض رقابة صارمة تجرم استخدام أي وسيلة تضليلية لجمع الأموال تحت مظلة العمل الإنساني، وتوعية الجمهور بضرورة التحقق قبل التبرع، فالغاية النبيلة تسقط وتفقد شرعيتها فوراً إذا تلطخت بوسيلة خادعة.
فيديو للمشاهدة
https://vt.tiktok.
com/ZSq8cLqKW/

