فَرَنْسَا: “حِجَابٌ لِلْجَمِيعِ”.. السُّخْرِيَّةُ وَالتَّضَامُنُ يُحْبِطَانِ خُطَطَ الْيَمِينِ الْمُتَطَرِّفِ فِي فَرَنْسَا… مِنَ الْجَدَّاتِ الْبُرْتُغَالِيَّاتِ إِلَى شَبَابِ بَارِيسَ: غِطَاءُ الرَّأْسِ يَفْضَحُ ازْدِوَاجِيَّةَ الْمَعَايِيرِ
عبدالقادر كتـــرة
في الوقت الذي اعتقد فيه اليمين المتطرف في فرنسا أن التلويح بفرض غرامات مالية على ارتداء الحجاب في الأماكن العامة سيكون ورقة رابحة لاستقطاب الناخبين، جاء الرد من الشارع الفرنسي مغايراً، وغير متوقع، ومغلفاً بكثير من السخرية اللاذعة.
حملة “#FoulardPourTous” (حجاب للجميع) لم تكن مجرد صرخة استنكار من النساء المسلمات، بل تحولت إلى حركة عصيان مدني رقمي شارك فيها رجال ونساء من مختلف الأديان والخلفيات، ليثبتوا أن المساس بحرية فئة هو مساس بحريات المجتمع بأسره.
– السخرية كدرع في وجه التطرف
عوضاً عن اللجوء إلى خطابات المظلومية الكلاسيكية، اختار الشباب الفرنسي أسلوب الكوميديا السوداء لتفكيك عبثية المقترح.
انتشرت مقاطع فيديو لفتيات يتساءلن بسخرية عما إذا كانت الحكومة ستوفر “باقات اشتراك شهرية” لدفع غرامات الحجاب، واصفات القرار بأنه تحويل لرجال الأمن إلى “شرطة موضة”. هذا الأسلوب أفرغ التهديد السياسي من هيبته وحوله إلى نكتة يتداولها الرأي العام يومياً.
-تضامن مجتمعي يربك حسابات السياسة
أبرز ما كشفته هذه الحملة هو اتساع رقعة الوعي المجتمعي؛ إذ لم يعد الدفاع عن المحجبات معركة تخص المسلمين وحدهم. أعلن شبان فرنسيون غير مسلمين، ونساء غير محجبات، نيتهم ارتداء الحجاب بشكل جماعي في حال تمرير القانون. الهدف المعلن هو إغراق النظام وإرباك الشرطة التي لن تستطيع حينها التمييز بين المسلمة التي ترتدي الحجاب كفرض ديني، وبين المتضامنين أو متبعي خطوط الموضة، مما يجعل تطبيق القانون تشريعياً وميدانياً ضرباً من المستحيل.
-ازدواجية المعايير والتراث الأوروبي
لم تغفل الحملة تسليط الضوء على التناقضات العميقة في الخطاب اليميني. فغطاء الرأس ليس غريباً عن الثقافة الأوروبية؛ بدءاً من الجدات في القرى البرتغالية والفرنسية اللاتي لا يزلن يرتدين المناديل التقليدية، وصولاً إلى غطاء الرأس الكاثوليكي.
هذا التذكير التاريخي أثبت للشارع أن المستهدف الحقيقي ليس “حماية العلمانية” كما يُشاع، بل توظيف صريح للإسلاموفوبيا كأداة حشد انتخابي.
إن ما يحدث اليوم في الفضاء الرقمي الفرنسي يتجاوز كونه مجرد ردة فعل مؤقتة أو “ترند” عابر؛ بل هو مؤشر حقيقي على تشكل جيل جديد يرفض وصاية الدولة على أجساد وملابس الأفراد.
ورغم تصاعد نبرة اليمين المتطرف في أوروبا، تثبت هذه التحركات أن التضامن العابر للأديان والأعراق يمتلك القدرة على تحييد أكثر القوانين تطرفاً، جاعلاً من الوحدة والسخرية أمضى أسلحة المقاومة المدنية.

