أَزْمَةُ الْحُدُودِ اللِّيبِيَّةِ الْجَزَائِرِيَّةِ.. بَيْنَ اسْتِعْرَاضِ الْقُوَّةِ وَهَشَاشَةِ الْجُيُوشِ الْكَلَاسِيكِيَّةِ… تَرْسِيمٌ بِلَا تَشَاوُرٍ: هَلْ يَفْتَحُ التَّوَغُّلُ الْجَزَائِرِيُّ جَبْهَةَ مُوَاجَهَةٍ مَعَ الْمُشِيرِ حَفْتَر؟
عبدالقادر كتـــرة
تسود حالة من التوتر المكتوم على طول الشريط الحدودي الممتد لقرابة ألف كيلومتر بين ليبيا والجزائر.
شرارة هذا التوتر انطلقت مع تواتر الأنباء عن شروع الجانب الجزائري في وضع علامات حدودية وتشييد تحصينات أمنية بشكل أحادي، متجاوزاً بذلك الاتفاقيات السابقة، ومُتجاهلاً اللجنة الفنية المشتركة لترسيم الحدود التي يعود آخر اجتماعاتها إلى ربيع عام 2003.
في طرابلس، لم تخفِ الأوساط الرسمية والشعبية غضبها مما وُصف بـ “الاستفزاز” ومحاولة فرض الأمر الواقع مستغلين حالة التشظي والانقسام التي تعصف بالدولة الليبية. فالمطالب الليبية تبدو واضحة وبديهية: وقف الإجراءات الأحادية في المناطق التي لم يُحسم ترسيمها (مثل النقطة 1010)، والاحتكام إلى القنوات الدبلوماسية لاحترام السيادة الوطنية. ولكن، في لغة الجيوش وموازين القوى، لا تكفي البيانات الدبلوماسية لحماية الحدود إذا لم تكن مدعومة بقوة على الأرض.
عقيدة الجدار وإدارة الفراغ
تتعامل الجزائر مع الخاصرة الليبية منذ عام 2011 كتهديد مباشر للأمن القومي، وهو ما دفعها لإعلان حدودها الشرقية مناطق عسكرية مغلقة.
وفي ظل غياب شريك ليبي موحد وقوي، يبدو أن القيادة العسكرية الجزائرية اختارت استراتيجية “التمدد الأمني الوقائي”، المتمثل في حفر الخنادق وبناء السواتر. بالنسبة للجزائر، هي إجراءات لمنع التهريب وتسلل الجماعات المسلحة، أما بالنسبة لليبيين، فهو قضم ناعم للأراضي واستغلال لضعف الجار.
عامل حفتر: هل تندلع المواجهة؟
السؤال الذي يفرض نفسه في هذا المشهد: كيف سيتعامل المشير خليفة حفتر مع هذا التمدد، وهو الذي يسيطر فعلياً على مساحات شاسعة من الجنوب الليبي ولا يُخفي توجسه التاريخي من النظام العسكري الجزائري؟ رغم التوقعات بتصعيد متبادل، إلا أن قراءة الواقع العسكري تشير إلى استبعاد سيناريو الحرب المباشرة.
المشير حفتر يدرك أن الدخول في مواجهة تقليدية مفتوحة على شريط صحراوي شاسع هو استنزاف لقواته، خصوصاً وأن مناطق التماس الحدودية الحساسة تتداخل فيها ولاءات محلية معقدة.
الأقرب للواقع هو استخدام هذا الملف كورقة سياسية لإحراج حكومة طرابلس وإظهارها بمظهر العاجز عن حماية السيادة الوطنية.
وهم الترسانات وهشاشة الجيوش
على الضفة الأخرى، لا يمكن قراءة التحركات الجزائرية بمعزل عن طبيعة المؤسسة العسكرية التي تقف خلفها. فرغم ضخامة الترسانة العسكرية التي تصنف الجيش الجزائري ضمن الأقوى إفريقياً، إلا أن الحروب الحديثة لم تعد تُحسم بتكديس السلاح، بل بالعقيدة القتالية ومرونة القيادة.
العديد من الخبراء يقرأون في المؤسسة العسكرية الجزائرية امتداداً للحقبة السوفيتية؛ حيث البيروقراطية الثقيلة والقيادات الهرمية التي تفتقر للمرونة. الأهم من ذلك، هو “أزمة الثقة” والجبهة الداخلية. ففي أي مواجهة عسكرية حقيقية، يكون حافز الجندي وإيمانه بعدالة قضيته هو الفيصل.
الجيوش التي يعاني جنودها من انفصال عن قياداتهم، ويشعرون بأنهم مجرد أدوات لحماية نفوذ طبقة من الجنرالات ومصالحهم، سرعان ما تنهار عزيمتها القتالية. الجندي لا يطلق النار دفاعاً عن حسابات بنكية في أوروبا، بل دفاعاً عن وطن يشعر بالانتماء إليه.
خلاصة القول، الأزمة على الحدود الليبية الجزائرية لن تتطور إلى حرب تقليدية طاحنة، ليس بالضرورة بسبب حكمة الأطراف، بل لأن هشاشة الوضع الداخلي في كلا البلدين تفرض عليهما تجنب الانزلاق نحو الهاوية.
ستواصل الجزائر سياسة “القضم الهادئ” وفرض تدابيرها الأمنية مستغلة الفراغ الليبي، بينما ستكتفي الأطراف الليبية ببيانات التنديد أو الاستعراضات التكتيكية المحدودة. ليبيا اليوم تدفع ضريبة انقسامها من سيادتها وأراضيها، ولن توقف هذا النزيف دبلوماسية خجولة أو شعارات رنانة، بل دولة موحدة تحتكر السلاح وتمتلك مؤسسة عسكرية قادرة على حماية التراب الوطني بندية كاملة.

