لُغَةُ الْأَرْقَامِ: مَنْ هُمُ الْعَرَبُ الْأَكْثَرُ بَحْثًا عَنِ “الْحُلْمِ الْأُورُوبِيِّ”؟… 178 أَلْفَ مُحَاوَلَةِ عُبُورٍ.. مَاذَا تَكْشِفُ تَقَارِيرُ الْهِجْرَةِ الْجَدِيدَةُ عَنْ أَزَمَاتِ الْمِنْطَقَةِ؟
“تُظهر بيانات الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل «فرونتكس»، والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، والمنظمة الدولية للهجرة، أن الهجرة غير النظامية نحو أوروبا تشمل جنسيات متعددة ومتنوعة.
ومن بين الدول العربية، يُعدّ المواطنون المصريون والسوريون والجزائريون والسودانيون من أكثر الجنسيات التي تُرصد أثناء محاولات العبور غير النظامي للحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي.
ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن هذه الأرقام تمثل عدد حالات رصد عمليات العبور غير النظامي، ولا تعكس بالضرورة عدد الأشخاص الفعليين، إذ قد يُسجَّل الشخص نفسه أكثر من مرة.
المصادر: • فرونتكس – تحليل المخاطر السنوي / التقرير السنوي 2025.
• المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين – تقرير الاتجاهات نصف السنوي 2025.
• المنظمة الدولية للهجرة – تقارير الهجرة المختلطة / مشروع المهاجرين المفقودين 2025.”
في كل عام، تتجدد مآسي وطموحات الآلاف ممن يقررون ركوب البحر أو خوض دروب برية وعرة بحثاً عن واقع أفضل في القارة العجوز. لا تزال أوروبا تمثل “طوق النجاة” في مخيلة الكثيرين، رغم المخاطر المتزايدة والتشديدات الأمنية غير المسبوقة. ومع صدور التقديرات لعام 2025، المستندة إلى بيانات وكالة “فرونتكس” والمنظمات الدولية المعنية، تتكشف أمامنا خريطة جديدة بالأرقام لمشهد الهجرة غير النظامية؛ خريطة تتحدث فيها الجنسيات العربية بصوت عالٍ يعكس حجم التحديات التي تعيشها المنطقة.
الأرقام تتحدث: من يتصدر القائمة؟ تشير التقديرات إلى رصد حوالي 178 ألف حالة عبور غير نظامي للحدود الأوروبية خلال عام 2025 من مختلف جنسيات العالم. وفي صدارة المشهد، تحضر عدة دول عربية بقوة.
يتصدر المصريون القائمة العربية بما يقدر بين 18 إلى 22 ألف حالة رصد، يليهم السوريون (10 إلى 15 ألفاً)، ثم الجزائريون والسودانيون والمغاربة.
هنا، تجب الإشارة إلى نقطة بالغة الأهمية: هذه الأرقام تمثل “حالات رصد” وليس “أفراداً”. بمعنى آخر، قد يُلقى القبض على الشخص نفسه ويعاد مرتين أو ثلاثاً، ليُسجل كحالات عبور متعددة، وهو ما يعكس الإصرار العجيب لهؤلاء المهاجرين على بلوغ هدفهم مهما تكرر الفشل.
دوافع مختلطة: بين البحث عن الخبز والهروب من الرصاص لا يمكن وضع جميع المهاجرين العرب في سلة واحدة؛ فدوافعهم تختلف باختلاف أوطانهم:
البحث عن الحياة: في دول مثل مصر والجزائر والمغرب وتونس، تشكل الضغوط الاقتصادية، وارتفاع معدلات التضخم، وشبح البطالة الذي يطارد الشباب، المحرك الأساسي لركوب قوارب الموت.
الهروب من الموت: على الجانب الآخر، يروي استمرار تدفق السوريين والسودانيين، وحتى اليمنيين، قصة مأساوية عن نزاعات مسلحة وانهيار أمني جعل من فكرة البقاء في الوطن تهديداً مباشراً للحياة.
جغرافية اليأس: طرق جديدة وأخرى كلاسيكية تكشف البيانات عن تحولات مثيرة في مسارات الهجرة. لا يزال “طريق المتوسط المركزي” (المنطلق أساساً من سواحل ليبيا وتونس نحو إيطاليا) الشريان الأبرز والأكثر دموية. ومن اللافت للنظر أن ليبيا، ورغم الأوضاع الهشة فيها، لا يسجل مواطنوها سوى أرقام هامشية جداً في محاولات الهجرة (أقل من 500 حالة)، مما يؤكد دورها كـ “دولة عبور” تستقطب الحالمين من دول إفريقيا والشرق الأوسط .
في المقابل، بدأنا نشهد بروز مسارات بديلة أكثر خطورة لتفادي قبضة خفر السواحل، مثل “طريق المحيط الأطلسي” نحو جزر الكناري الإسبانية، والذي بات يشهد نشاطاً ملحوظاً ينطلق من دول مثل موريتانيا.
نزيف الكفاءات و”عسكرة” الحدود لا تتوقف تداعيات هذا المشهد عند حدود الغرق أو النجاة، بل تمتد لتضرب عمق المجتمعات العربية. فالدول المصدرة للمهاجرين تفقد يومياً خيرة شبابها وطاقاتها الإنتاجية في ما يُعرف بـ “نزيف الأدمغة والكفاءات”.
أما دول العبور (مثل تونس وليبيا والمغرب وموريتانيا)، فتجد نفسها تحت ضغط مزدوج؛ فهي من جهة تتحمل أعباء اقتصادية وأمنية هائلة لمحاربة شبكات التهريب والاتجار بالبشر، ومن جهة أخرى تتعرض لضغوط أوروبية متزايدة للعب دور “حارس الحدود” نيابة عن أوروبا، في إطار سياسات تربط المساعدات الاقتصادية بمدى التعاون في كبح الهجرة.
خلاصة القول، إن أرقام الهجرة لعام 2025 ليست مجرد إحصائيات تُقرأ في التقارير الدولية، بل هي مقياس حرارة حقيقي يكشف حجم الاحتقان الاقتصادي والسياسي والأمني في المنطقة العربية. طالما استمرت الحلول مقتصرة على “المقاربة الأمنية” ورفع الأسوار وتشديد الحراسة، دون معالجة الجذور الحقيقية للأزمات المتمثلة في التنمية، والعدالة الاجتماعية، وإنهاء النزاعات، فإن قوارب الهجرة لن تتوقف، والأرقام ستواصل سرد قصصها الحزينة على شواطئ المتوسط.

