فِيلْمٌ فِي الْمَغْرِبِ وَنِيرَانٌ فِي الْجَزَائِرِ: أموال جَزَائِرِيَّةٌ لِحَمْلَةِ مُقَاطَعَةِ فِيلْمِ “لُودِيسِي” (l’odyssée) صُوِّرَتْ مَشَاهِدُهُ بِمُدُنِ الصَّحْرَاءِ الْمَغْرِبِيَّةِ…وَعَجْزٌ تَامٌّ أَمَامَ حَرَائِقِ الدَّاخِلِ
عبدالقادر كتـــرة
من غرائب وعجائب النظام العسكري الجزائري أن يدعو إلى مقاطعة الفيلم العظيم والرائع الذي يعرف إقبالا كبيرا في دور السنيما العالمي لمختلف بلدان العالم، وخصص ملايين الدولارات لهذه الحملة لأن مشاهد من هذا الشريط تم تصويرها بمدن ورزازات ومراكش و الداخلة المغربية…
أما الأغرب في كل هذا، الفيلم لا يعرض في الجزائر، وبدل أن يهتم النظام العسكري الجزائري بالحرائق التي تلتهم مدنا وقرى وغابات وتزحف نحو المدن الكبرى مخلفة ضحايا أبرياء أمام عجز هذا النظام. وبدل تخصيص الأموال المرصودة لهذا العبث لطائرات كنادير وشاحنات المطافئ يواصل عبثه..، يمول حملة ويحرك مرتزقة ويوظف عملاء للدعوة للمقاطعة..
مفارقة غريبة وعجيبة وخبيثة لسلوك النظام العسكري الجزائري تستحق الوقوف عندها وتحليلها بعمق، عقب تخصيص ملايين الدولارات لحملة مقاطعة الفيلم العظيم والرائع “لوديسي” (l’odyssée) الذي يعرف إقبالا كبيرا في دور السنيما العالمية لمختلف بلدان العالم، لا لشيء إلا لأن مشاهد من هذا الشريط تم تصويرها بمدن ورزازات ومراكش و الداخلة المغربية…
إن الربط بين تسييس الفن والسينما من جهة، وسوء إدارة الأزمات الداخلية (مثل حرائق الغابات) من جهة أخرى، يسلط الضوء على إشكالية “ترتيب الأولويات” لدى الأنظمة السياسية.
1. تسييس الفن وحملات المقاطعة: بين الواقع وحرب الإعلام
امتدت حالة التوتر السياسي بين النظامين الجزائري والمغربي لتشمل مجالات يفترض أن تكون بعيدة عن الصراع، مثل الرياضة، والثقافة، والفن.
تصوير مشاهد سينمائية عالمية في مدن مغربية مثل ورزازات ومراكش هو أمر معتاد نظراً للبنية التحتية السينمائية القوية هناك (القوة الناعمة المغربية). لكن امتداد التصوير إلى مدينة الداخلة يلمس وتراً سياسياً حساساً للغاية بالنسبة للنظام الجزائري، بسبب موقفه الداعم لمرتزقة البوليساريو في نزاع الصحراء.
مع العلم أن التأثير على شباك التذاكر العالمي أو مقاطعة فيلم دولي بنجاح يتطلب آليات تتجاوز قدرة أي حملة سياسية منفردة، وعادة ما تفشل هذه الحملات بل وتمنح العمل الفني ترويجاً مجانياً (تأثير سترايسند).
2. أزمة الحرائق: مفارقة الأولويات وإدارة الأزمات
النقطة الأكثر إيلاماً وواقعية هي التناقض بين الانشغال بالمعارك السياسية الخارجية، وتجاهل الأزمات الإنسانية والبيئية الداخلية.
عانت الجزائر في السنوات الأخيرة من حرائق غابات مدمرة ومأساوية أودت بحياة العشرات من المدنيين والعسكريين.
وقد كشفت هذه الكوارث المتعاقبة عن عجز هيكلي في منظومة الحماية المدنية، أبرزها النقص الحاد أو التأخر في اقتناء طائرات الإطفاء المتخصصة (مثل طائرات “كنادير”).
الانتقاد الموجه للنظام بكونه يوجه ميزانيات ضخمة للإنفاق العسكري ودعم جبهات خارجية أو إعلامية، في وقت تقف فيه مؤسسات الدولة عاجزة أمام النيران باستخدام معدات تقليدية، هو انتقاد مشروع ويعكس أزمة حقيقية في الحكامة وتوجيه مقدرات الدولة نحو حماية المواطن أولاً.
3. قراءة في التداعيات على المشهد الجزائري
هذا التباين الصارخ بين السلوك الخارجي والواقع الداخلي يفرز تداعيات عميقة على عدة مستويات:
أولا، تكرار الكوارث مع استمرار نفس الأداء الحكومي يعمق هوة عدم الثقة بين المواطن الجزائري والسلطة. المواطن الذي يرى أموال الدولة تُصرف على قضايا جيوسياسية لا تمس حياته اليومية، بينما تُترك قراه ومدنه عرضة للنيران، يشعر بالتهميش والخذلان.
وقد تؤدي هذه التراكمات إلى تغذية الاحتقان الشعبي والمطالبة بإصلاحات جذرية في كيفية إدارة ثروات البلاد.
ثانيا، محاربة الفن أو مقاطعته عالمياً تعطي صورة سلبية عن الدولة وتظهرها بمظهر النظام المنغلق، في حين يستفيد الطرف الآخر (المغرب) من الترويج السياحي والثقافي الذي تقدمه هذه الأفلام العالمية.
المجتمع الدولي يراقب كيفية تعامل الدول مع الكوارث المناخية. العجز المتكرر يضعف من صورة الجزائر كقوة إقليمية كما تدعي قادرة على تأمين جبهتها الداخلية بيئياً وإنسانياً.
ثالثا، الجزائر، كدولة تعتمد بشكل كبير على عائدات المحروقات، تحتاج إلى استثمار كل دولار في تنويع الاقتصاد، تحديث البنية التحتية، ومجابهة التغير المناخي. استنزاف هذه الموارد في “حروب دونكيشوتية” سواء إعلامية أو سياسية يعيق عجلة التنمية الحقيقية.
في الختام، المأساة الحقيقية لا تكمن في مكان تصوير فيلم سينمائي، بل في غياب التخطيط الاستراتيجي لحماية الأرواح والممتلكات من كوارث طبيعية أصبحت تتكرر سنوياً.

