صَدِّقْ أَوْ لَا تُصَدِّقْ، لَا يَحْدُثُ هَٰذَا إِلَّا فِي الْجَزَائِرِ: نِيرَانُ الْغَابَاتِ وَنِيرَانُ الْغَدْرِ.. حِينَ يُكَافَأُ الْمُنْقِذُ بِسَرِقَةِ دَرَّاجَتِهِ فِي قَلْبِ الْمَأْسَاةِ
عبدالقادر كتـــرة
في أوقات المحن والكوارث، تتجلى عادةً أسمى المعاني الإنسانية، وتصطف المجتمعات في خندق واحد لمواجهة الخطر. غير أن المشهد لا يخلو أحياناً من مفارقات صادمة تخدش هذا التلاحم.
هذا بالضبط ما وثقه مقطع فيديو قصير انتشر كالنار في الهشيم عبر منصات التواصل الاجتماعي في الجزائر، ليروي قصة متطوع شاب ذهب ليطفئ حرائق الغابات، فعاد ليجد أن نيراناً من نوع آخر قد التهمت ممتلكاته: نيران الغدر والاستغلال.
– نداء الواجب.. وتلبية النداء
مع تصاعد موجات الحرارة خلال شهر يوليو، واجهت عدة ولايات جزائرية، لا سيما في الشرق، حرائق غابات عنيفة استدعت استنفاراً رسمياً وشعبياً.
وكعادتهم في كل أزمة، لم يتأخر الشباب الجزائري عن تشكيل قوافل “الهبة التضامنية”. من بين هؤلاء، شاب قرر التوجه بدراجته النارية البسيطة إلى مناطق التماس مع النيران.
ركن الشاب دراجته على حافة إحدى الطرق المحاذية للأحراش المشتعلة، تاركاً إياها بدافع الثقة ونداء الواجب الأهم، وانخرط بشجاعة جنباً إلى جنب مع فرق الحماية المدنية والأهالي في محاولات السيطرة على ألسنة اللهب وإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
– المفارقة الموجعة: لصوص الأزمات
بعد ساعات من الجهد المضني والخطر المحدق، عاد الشاب أدراجه منهكاً ليلتقط أنفاسه، ليتفاجأ بصدمة لم تكن في الحسبان؛ دراجته النارية، وسيلة تنقله وربما مصدر رزقه، قد اختفت.
في الوقت الذي كان يضع فيه روحه على كفه لإنقاذ أرواح وممتلكات الآخرين، كان هناك من يستغل الفوضى وانشغال الجميع بالكارثة لتنفيذ عملية سرقة دنيئة.
وثّق مقطع الفيديو المتداول مكان الحادثة، مصحوباً بتعليق يدمي القلوب: “شاب جزائري جاء لي يساعد في إطفاء الحرائق، وضع دراجته وصعد يساعد، عندما عاد وجد دراجته قد سرقت.. رحمة على والديك ردهالو”. مناشدة بسيطة ومؤثرة تعكس حجم الخذلان، وتسلط الضوء على فئة “لصوص الأزمات” الذين يتجردون من كل وازع أخلاقي أو وطني في أحلك الظروف.
ختاما، في المحصلة، قد تنجح ألسنة اللهب في التهام مساحات من الغابات، وقد ينجح بعض لصوص الأزمات في سلب ممتلكات عابرة، لكن “الهبة الشعبية” التي أعقبت حادثة هذه الدراجة أثبتت أن رصيد التضامن والتكافل لا ينفد أبداً.
لقد تحولت الدراجة المسروقة من رمز للخذلان إلى أيقونة للتلاحم المجتمعي، وقدمت درساً بليغاً مفاده أن فعل الخير أقوى وأبقى من أن تطفئه شرذمة من المستغلين، وأن الشعب الذي يتسابق أبناؤه نحو النيران لإنقاذ بعضهم البعض، سيبقى قادراً دائماً على جبر الخواطر وإعادة بناء كل ما يتهدم.
فيديو:
Https://vt.tiktok.
com/ZSX7J6CgD/

