اَلزَّيُّ الْعَسْكَرِيُّ فِي الْمِحْرَابِ: “عَسْكَرَةُ” الْحَقْلِ الدِّينِيِّ فِي الْجَزَائِرِ وَ”أَمْنَنَةُ” الْفَضَاءِ الْعَامِّ وَتَدَاعِيَاتِ السَّيْطَرَةِ الْأَمْنِيَّةِ عَلَى الْمُؤَسَّسَةِ الدِّينِيَّةِ الْجَزَائِرِيَّةِ

اَلزَّيُّ الْعَسْكَرِيُّ فِي الْمِحْرَابِ: “عَسْكَرَةُ” الْحَقْلِ الدِّينِيِّ فِي الْجَزَائِرِ وَ”أَمْنَنَةُ” الْفَضَاءِ الْعَامِّ وَتَدَاعِيَاتِ السَّيْطَرَةِ الْأَمْنِيَّةِ عَلَى الْمُؤَسَّسَةِ الدِّينِيَّةِ الْجَزَائِرِيَّةِ

عبدالقادر كتـــرة

محتوى فيديو متداول عبر منصات التواصل الاجتماعي، يوثق لمشهد ضابط عسكري في المحراب داخل مسجد بجانب الإمام في الجزائر وهو يخاطب جمهور المصلين، أثار تساؤلات وفتح الباب لقراءة أعمق في الديناميات السياسية والأمنية، وطبيعة السرديات الإعلامية المتداولة في الفضاء المغاربي.

المشهد يظهر بالفعل شخصاً بلباس رسمي (يبدو أقرب إلى زي الدرك الوطني أو الحماية المدنية) يجلس بجوار إمام داخل المسجد أمام الميكروفون، أقل ما يقال عنه بالبنض العريض “عسكرة المساجد”.

غالباً ما تلجأ السلطات (مثل الدرك الوطني أو الحماية المدنية) في دول المنطقة إلى استغلال تجمعات صلاة الجمعة لتمرير حملات تحسيسية وتوعوية (مثل التوعية بحوادث المرور، أو حرائق الغابات التي تكثر في فصل الصيف كما يشير تاريخ يوليو في المقطع، أو مكافحة المخدرات).

ومع ذلك، فإن مجرد صعود شخص بلباس عسكري أو شبه عسكري إلى منبر المسجد يولد صدمة بصرية.

السردية التي يقدمها مقطع “تيك توك” تلتقط هذا المشهد لتعزز فكرة تدخل الآلة العسكرية والأمنية في أدق تفاصيل الحياة المدنية والروحية، وهو ما يجد صدى واسعاً نظراً للتاريخ السياسي المعقد للبلاد.

إن المؤسسة الأمنية والسياسية في الجزائر تتبنى منذ نهاية “العشرية السوداء” في التسعينيات عقيدة صارمة تقوم على ضرورة السيطرة التامة على الحقل الديني.

وزارة الشؤون الدينية والأوقاف تفرض رقابة صارمة على الخطب والأئمة لضمان عدم خروج المنابر عن الخطاب الرسمي للدولة.

وظهور أفراد بالزي الرسمي داخل المحراب أو بجوار الإمام يُعدّ تطوراً بصرياً يعكس “أمننة” الفضاء العام، حيث تشعر السلطة بحاجة مستمرة لإبراز وجودها وهيبتها حتى في الأماكن المخصصة للعبادة، مما يلغي الخط الفاصل بين ما هو مدني/روحي وما هو عسكري/أمني.

إن تصاعد هذه الظواهر، سواء كانت ممنهجة أو مجرد غياب للباقة السياسية والإدارية، يحمل تداعيات عميقة على الداخل الجزائري:

– فقدان الثقة في المؤسسة الدينية الرسمية: عندما يتحول المسجد في نظر المواطن من فضاء روحي وملاذ مجتمعي مستقل إلى مجرد امتداد لجهاز الشرطة أو الجيش، فإن المؤسسة الدينية تفقد مصداقيتها. هذا يؤدي تاريخياً إلى نفور الشباب من الخطاب الرسمي.

– دفع الخطاب إلى السرية والتطرف المرجعي: التضييق المبالغ فيه و”أمننة” المساجد لا يلغي الأفكار، بل يدفعها للبحث عن حواضن أخرى بعيداً عن أعين الرقابة، كالفضاءات الافتراضية والشبكات غير الرسمية، مما قد يغذي مسارات راديكالية أو حركات معارضة تحت الأرض.

– تآكل الفضاءات المدنية: استمرار زحف المؤسسة الأمنية على الفضاءات المدنية (سواء في النقابات، أو الإعلام، أو المساجد) يعيق بناء مجتمع مدني ناضج قادر على التوسط بين المواطن والسلطة، مما يجعل العلاقة بين الحاكم والمحكوم علاقة تماس مباشر ومحتك، ترفع من احتمالات الانفجار الاجتماعي عند أي أزمة اقتصادية أو سياسية.

– الصورة الإقليمية والدبلوماسية: على مستوى مراقبة التحولات الإقليمية، تعزز هذه المشاهد السردية القائلة بهيمنة “الدولة العميقة” والطبقة العسكرية على مفاصل الدولة، مما يضعف من قوة الجزائر الناعمة ويؤثر على دبلوماسيتها في محيطها المغاربي ودول الساحل، حيث تُقرأ هذه التحركات كدليل على هشاشة المؤسسات المدنية.

خلاصة القول، سواء كان المشهد توظيفاً أمنياً مباشراً للمنبر أو مجرد حملة توعوية أخطأت في تقدير رمزية المكان، فإنه يعكس أزمة ثقة وتداخلاً مقلقاً في الصلاحيات.

في الدول التي تسعى لبناء استقرار مستدام، تُحفظ للمساجد قدسيتها وللمؤسسات المدنية استقلاليتها بعيداً عن لغة الزي العسكري.

فيديو:Https://vt.tiktok

.com/ZSXtVnt9K/

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *