اَلْجِنِرَالَاتُ وَالْحَقِيقَةُ الْغَائِبَةُ: كَيْفَ رَسَمَ بُوتَفْلِيقَةُ مَلَامِحَ حُكْمِهِ وَعُزْلَتِهِ وَنِهَايَتِهِ؟

اَلْجِنِرَالَاتُ وَالْحَقِيقَةُ الْغَائِبَةُ: كَيْفَ رَسَمَ بُوتَفْلِيقَةُ مَلَامِحَ حُكْمِهِ وَعُزْلَتِهِ وَنِهَايَتِهِ؟

عبدالقادر كتـــرة

مقولتان شهيرتان للرئيس الجزائري الراحل عبد العزيز بوتفليقة عكست طبيعة إدارته للسلطة وللأزمات المعقدة التي مرت بها الجزائر.

المقولة الأولى، صراع السلطة بين الرئاسة والمؤسسة العسكرية : «أنا الجزائر بأكملها. أنا تجسيد للشعب الجزائري. قولوا للجنرالات أن يأكلوني إن استطاعوا».

(Je suis l’Algérie tout entière. Je suis l’incarnation du peuple algérien. Dites aux généraux de me bouffer s’ils peuvent le faire.)

بهذه الصيغة، أكّد بوتفليقة أنه لا توجد أي مؤسسة، بما في ذلك الجيش والجنرالات النافذون في ذلك الوقت، قادرة على الإطاحة به أو الحد من سلطته.

وكثيراً ما يُستحضر هذا التصريح بعد استقالته في عام 2019، عندما لعب الجيش أخيراً دوراً حاسماً في إنهاء حكمه.

جاءت هذه التصريحات في بداية عهد بوتفليقة (حوالي عام 1999)، وهي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بتصريح آخر شهير له قال فيه: “لن أكون رئيساً بثلاثة أرباع الصلاحيات” .

وصل بوتفليقة إلى السلطة بدعم مباشر من المؤسسة العسكرية (الذين كانوا يُعرفون بـ “صناع القرار” أو “الجنرالات”).

ومع ذلك، كان يدرك تماماً أن الرؤساء الذين سبقوه (مثل الشاذلي بن جديد واليمين زروال) أُجبروا على الاستقالة تحت ضغط الجيش. أراد بوتفليقة توجيه رسالة حازمة للداخل والخارج بأنه الحاكم الفعلي وأن الشرعية الشعبية تتفوق على السلطة العسكرية.

واستخدام عبارة “أنا الجزائر” يعكس نزعة استبدادية وشخصنة مفرطة للسلطة، حيث ربط مصير البلاد بمصيره الشخصي، وهو ما طبع فترة حكمه التي امتدت لعشرين عاماً.

هذه المقولة تحمل مفارقة تاريخية عميقة. لقد قضى بوتفليقة العقدين التاليين في إبعاد وتقليم أظافر الجنرالات المؤثرين (مثل إقالة الجنرال توفيق وحل جهاز الاستخبارات العسكرية القديم)، محاولاً تركيز السلطة بالكامل في مؤسسة الرئاسة (ومحيطه المباشر).

ولكن، سخرية القدر تكمن في أن نهايته السياسية عام 2019 جاءت على يد المؤسسة العسكرية نفسها؛ حيث أجبره قائد أركان الجيش آنذاك (أحمد قايد صالح) على الاستقالة وتفعيل المادة 102 من الدستور، استجابةً لضغط “الحراك الشعبي”. الجنرالات لم “يأكلوه” جسدياً، لكنهم كانوا القوة التي أنهت أسطورته السياسية.

المقولة الثانية: العشرية السوداء وثمن الحقيقة

«ليست كل حقيقة صالحة للقول في خضم الأحداث (على الساخن). لقد خرجنا للتو من حرب أهلية، وعندما أعرف الحقيقة سأبلغكم بها».

(Toute vérité n’est pas bonne à dire à chaud. Nous venons de sortir d’une guerre civile et lorsque je connaîtrai la vérité, je vous la communiquerai.)

“أثارت هذه العبارة تعليقات واسعة، حيث رأى الكثيرون فيها طريقة للقول بأن بعض الحقائق حول “العشرية السوداء” لا يمكن الكشف عنها على الفور، بسبب السياق السياسي والأمني السائد آنذاك.”

ارتبطت هذه المقولة بملف من أثقل الملفات في تاريخ الجزائر المعاصر: ملف المفقودين والانتهاكات التي حدثت خلال “العشرية السوداء” (الحرب الأهلية في التسعينيات). كانت أمهات وعائلات المفقودين يطالبن بمعرفة مصير أبنائهن ومحاسبة المتورطين.

بخلاف تجارب دول أخرى (مثل جنوب أفريقيا ولجنة “الحقيقة والمصالحة”)، اختار بوتفليقة مقاربة مختلفة تجسدت في “ميثاق السلم والمصالحة الوطنية” . كان يرى أن البحث عن “الحقيقة المطلقة” والمحاسبة سيؤدي إلى تمزيق المجتمع الجزائري مجدداً ويهدد السلم الهش.

هذه المقولة تعكس الذرائعية السياسية التي اتبعها بوتفليقة. بعبارة “عندما أعرف الحقيقة سأبلغكم بها”، كان يشتري الوقت ويحاول إسكات المطالب الحقوقية الملحة.

ختاما، هل قيلت الحقيقة؟ الواقع أن “الحقيقة” لم تُقل أبداً. بدلاً من ذلك، تم فرض نوع من النسيان المؤسسي والقانوني (عفو شامل عن مسلحي الجماعات الإرهابية وعفو ضمني عن أي تجاوزات لقوات الأمن).

بينما نجحت هذه السياسة فعلياً في وقف إراقة الدماء واستعادة الأمن (وهو الإنجاز الأبرز الذي يُحسب لبوتفليقة)، إلا أنها تركت جراحاً مفتوحة لدى آلاف العائلات التي لم تعرف قط ما حدث لأبنائها، مما جعل “الحقيقة المؤجلة” تتحول إلى حقيقة مغيبة إلى الأبد باسم “المصلحة العليا للوطن”.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *