نِظَامُ العَسْكَرِ الجَزَائِرِيُّ يَنْبَطِحُ لِنِظَامِ دَوْلَةِ مَالِي مَذْلُولاً مَذْمُوماً مَدْحُوراً، وَيَرْضَخُ لِشُرُوطِهِ مُقَابِلَ اسْتِئْنَافِ العَلَاقَاتِ الثُّنَائِيَّةِ، وَهِيَ نَتَائِجُ دُرُوسٍ تَرْوِيضِيَّةٍ كَسَابِقَتِهَا الفَرَنْسِيَّةِ وَالإِسْبَانِيَّةِ وَاللِّيبِيَّةِ

نِظَامُ العَسْكَرِ الجَزَائِرِيُّ يَنْبَطِحُ لِنِظَامِ دَوْلَةِ مَالِي مَذْلُولاً مَذْمُوماً مَدْحُوراً، وَيَرْضَخُ لِشُرُوطِهِ مُقَابِلَ اسْتِئْنَافِ العَلَاقَاتِ الثُّنَائِيَّةِ، وَهِيَ نَتَائِجُ دُرُوسٍ تَرْوِيضِيَّةٍ كَسَابِقَتِهَا الفَرَنْسِيَّةِ وَالإِسْبَانِيَّةِ وَاللِّيبِيَّةِ

عبدالقادر كتـــرة

أصدرت وزارة الإدارة الترابية واللامركزية في جمهورية مالي (بيان رقم 2026-003) قراراً يتضمن خطوتين: الأولى هي عودة سفير جمهورية مالي المعتمد لدى الجزائر إلى منصبه، والثانية، وهي الأهم، إعادة فتح المجال الجوي الوطني المالي بالكامل أمام الطائرات المدنية والعسكرية الجزائرية (القادمة والمغادرة).

من جهتها، أصدرت وزارة الخارجية الجزائرية بياناً تعلن فيه، بأمر من رئيس الجمهورية، عودة السفير “كمال رتيب” إلى باماكو ابتداءً من 10 يوليو 2026.

وأشار البيان إلى أن السفير كان قد استدعي للتشاور منذ 07 أبريل 2025، مبرراً العودة بـ “الحرص الدائم والثابت على إعادة العلاقات إلى منحاها التاريخي والطبيعي المبني على أساس الاحترام المتبادل”.

تكشف قراءة تواريخ وتفاصيل البيانين أننا أمام اتفاق ثنائي متزامن جاء لينهي قطيعة دامت حوالي 15 شهراً.

البيان المالي يكشف معطى سيادياً وعسكرياً غاية في الأهمية: مالي كانت قد أغلقت مجالها الجوي بالكامل أمام الطيران الجزائري (المدني والعسكري).

هذه الخطوة شكلت ورقة ضغط قاسية جداً وقطعت شرياناً حيوياً للجزائر نحو العمق الإفريقي والساحل، مما يعكس الصرامة والقوة التي أبدتها السلطة في باماكو في الدفاع عن قراراتها ومواقفها.

إن مسار هذه الأزمة ونهايتها يؤكدان أن باماكو أدارت المشهد بحزم شديد، وفرضت قواعد اشتباك دبلوماسي جديدة:

– انتصار للسيادة المالية: نجحت السلطة الانتقالية في مالي في فرض شروطها وإثبات ندّيتها. إن إجبار الجزائر على إعادة سفيرها، واضطرار الدبلوماسية الجزائرية للحديث صراحة في بيانها عن “الاحترام المتبادل”، هو إقرار ضمني بتغيير المقاربة السابقة والتراجع عن أي ممارسات اعتبرتها باماكو تدخلاً في شؤونها الداخلية (مثل استقبال قادة حركات التمرد دون تنسيق مع الدولة المالية).

– تراجع اضطراري: أدرك النظام الجزائري بعد أكثر من عام من القطيعة أن سياسة التعالي أو التصعيد لم تجلب سوى الخسائر، وعزلته عن عمقه الاستراتيجي في الساحل. هذا الانبطاح الدبلوماسي والقبول بشروط باماكو يمثل درساً قاسياً في حدود النفوذ، خاصة عندما يصطدم بإرادة دولة مصممة على سيادتها.

– تكريس لنهج مالي الصارم: هذا الموقف ليس استثناءً، بل استمرار لعقيدة النظام المالي الحالي الذي سبق وأن لقّن دروساً قاسية في السيادة ورفض الوصاية لدول أخرى كبرى وإقليمية مثل فرنسا، وإسبانيا، وغيرها، مما يثبت أن باماكو لم تعد تقبل أي إملاءات خارجية.

هذا التطور يؤسس لمرحلة جديدة في منطقة الساحل:

– مرحلة “الحذر الإيجابي”: ستعود العلاقات المؤسساتية وحركة الطيران، لكن “انعدام الثقة” سيبقى سيد الموقف لفترة. ستكون باماكو شديدة المراقبة لأي تحركات جزائرية مستقبلية تتعلق بملف الشمال المالي.

– ترسيخ مبدأ “عدم التدخل”: نجاح مالي في كيّ ذراع التدخلات الخارجية سيجعلها رقماً صعباً. أي دولة ترغب في بناء علاقات مع مالي مستقبلاً ستدرك أن البوابة الوحيدة هي الاحترام التام للسيادة الوطنية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.

– إعادة خلط الأوراق الإقليمية: ستسعى الجزائر جاهدة لترميم صورتها وتعويض نفوذها المفقود، في حين ستواصل مالي سياسة تنويع الشراكات الاستراتيجية (مع روسيا، دول تحالف دول الساحل، والمغرب) لضمان استقلاليتها وعدم ارتهانها لأي جار أو قوة أحادية.

خلاصة القول، لقد طويت صفحة الأزمة الدبلوماسية، لكنها أرست قاعدة جيوسياسية صارمة: لقد ولّى زمن الوصاية، والدول الإفريقية باتت قادرة على فرض شروطها وتأديب من يتجاوز خطوطها الحمراء، وهو ما يشكل انتصاراً استراتيجياً مدوياً لدولة مالي.

 

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *