“تمغربيت”: دليل على نجاح الأسرة المغربية في المهجر في نقل الهوية، واللغة، والارتباط الروحي بالوطن، وهو ما يختلف كلياً عن سياسات التجنيس الرياضي المدفوع الأجر
عبدالقادر كتـــرة
مغاربة العالم (الدياسبورا): الانتقادات الموجهة لاعتماد المغرب على أبناء الجالية هي قراءة سطحية لظاهرة أعمق؛ وهي “تمغربيت” . اختيار لاعبين وُلدوا وتأسسوا في أوروبا لتمثيل بلدهم الأم، رغم الضغوطات والإغراءات، هو دليل على نجاح الأسرة المغربية في المهجر في نقل الهوية، واللغة، والارتباط الروحي بالوطن، وهو ما يختلف كلياً عن سياسات التجنيس الرياضي المدفوع الأجر.
الاختزال الشائع بأن المغرب “يستورد” لاعبين جاهزين من أوروبا هو قراءة قاصرة تتجاهل الدينامية الحقيقية وراء هذا المشهد.
ما نراه ليس مجرد استقطاب رياضي، بل هو انتصار لـ “الرأسمال اللامادي” المغربي المتمثل في “تمغربيت”، وشهادة على قوة الأسرة المغربية كـ “مؤسسة سيادية” عابرة للحدود.
1. التحليل العميق: “تمغربيت” كحائط ضد الاستلاب الهوياتي
القضية تتجاوز كرة القدم لتلامس صميم “التنشئة الاجتماعية”. في الوقت الذي تُنفق فيه دول أوروبية المليارات على دمج المهاجرين وصهرهم في هوياتها الوطنية، تنجح الأسرة المغربية (غالباً من الطبقة العاملة البسيطة) في تمرير شفرة ثقافية قوية لأبنائها.
– الارتباط الروحي غير المشروط: اللاعب الذي يولد في ضواحي باريس، مدريد، أو أمستردام، ويتعلم في مدارسها ويتدرب في أكاديمياتها، يتعرض لضغط هائل لتبني هوية بلد الإقامة. اختياره للمغرب هو قرار “عاطفي سيادي” يتفوق على المنطق المادي البراغماتي.
– الفرق بين “استرداد الانتماء” و”التجنيس الوظيفي”: التجنيس الرياضي (الذي تعتمده بعض الدول الخليجية أو حتى الأوروبية) يعتمد على المعاملات المالية (المرتزقة الرياضيون). بينما النموذج المغربي يعتمد على “استرداد” كفاءات تحمل جينات الانتماء. هم لم يُشتروا بالمال، بل تم اجتذابهم بالوجدان.
2. نماذج وأمثلة حية للمقاومة الهوياتية
هناك أسماء شكلت نقطة تحول في هذا المسار، ولم يكن اختيارها للمغرب مفروشاً بالورود، بل كان تحدياً لضغوط مؤسساتية وإعلامية أوروبية:
– حكيم زياش (نموذج التمرد على الضغط): زياش تعرض لحملة شرسة في هولندا، ووصفه أساطير مثل “ماركو فان باستن” بالغباء لاختياره المغرب بدل الطواحين. صمود زياش كان رسالة مفادها أن الانتماء لا يخضع لموازين القوى الكروية.
– أشرف حكيمي (نموذج الوفاء للطبقة الكادحة): وُلد في مدريد وتدرج في أعظم أندية العالم (ريال مدريد)، وكان بإمكانه اللعب لإسبانيا بسهولة. صرح مراراً بأن اختياره للمغرب هو تكريم لتضحيات والدته التي كانت تنظف البيوت لضمان مستقبله. هنا، الوطن مرتبط مباشرة بتضحيات الأم.
– إبراهيم دياز (نموذج التحول في موازين القوى): اختياره الأخير للمغرب رغم الضغوط الإسبانية الهائلة يمثل مرحلة جديدة؛ حيث لم يعد المغرب مجرد “خيار عاطفي”، بل أصبح “مشروعاً رياضياً تنافسياً” يُغري حتى اللاعبين الذين يملكون مكاناً أساسياً في منتخبات النخبة الأوروبية.
رغم هذا النجاح المبهر، هناك محاذير يجب التنبه لها لتجنب السقوط في الاتكال التام:
– خطر إهمال التكوين المحلي: الاعتماد المفرط على الجالية قد يُستغل كذريعة لتبرير الفشل في الإدارة الرياضية المحلية وضعف الأكاديميات الوطنية.
يجب أن يكون استقطاب الجالية “عنصراً مكملاً” لتكوين محلي صلب (أكاديمية محمد السادس مثال ناجح يجب تعميمه)، وليس “بديلاً” عنه.
– الاستغلال الأوروبي المضاد: الدول الأوروبية بدأت تستوعب هذا التهديد، وتعمل على تغيير قوانينها أو تكثيف ضغوطها على اللاعبين في سن مبكرة (تحت 15 سنة) لضمان ولائهم قبل أن يتدخل الاتحاد المغربي.
نجاح الدبلوماسية الرياضية في استقطاب أبناء الجالية يحمل رسائل وتداعيات جيوسياسية واقتصادية عميقة للمغرب:
– تحول هؤلاء النجوم إلى سفراء فوق العادة وصورة المغرب الحديث، المنفتح، والمعتز بجذوره تُسوق عالمياً أفضل من أي حملة علاقات عامة تقليدية
– هذا النجاح الرياضي يجب أن يكون “نموذجاً استرشادياً” لاستقطاب كفاءات مغاربة العالم (MRE) في مجالات الطب، الهندسة، الاقتصاد، والذكاء الاصطناعي. إذا كان الوطن قادراً على احتضان نجوم الكرة وتوفير بيئة احترافية لهم، فيجب أن يفعل الشيء نفسه مع العقول العلمية والاقتصادية.
– المنتخب الوطني أصبح الآلية الأقوى لتوحيد المغاربة (من طنجة إلى الكويرة، ومن خريبكة إلى مونتريال). هذا يخلق جبهة داخلية صلبة قادرة على مواجهة التحديات الإقليمية والجيوسياسية.
خلاصة القول، الرياضة هنا هي مجرد “مؤشر أداء” لنجاح حضاري أكبر. “تمغربيت” أثبتت أنها ليست مجرد فولكلور أو حنين للماضي، بل هي قوة جذب حقيقية قادرة على استعادة أبنائها متى ما توفرت الإرادة والإدارة الاحترافية.

